تبدأ رحلة الكثير من المرضى، خاصة المصابين بالأمراض المزمنة والمستعصية، بسلسلة طويلة من المواعيد الطبية والفحوصات والعلاجات المتكررة، وقد تمتد أحيانا إلى سنوات من المعاناة الجسدية والنفسية، بل وقد تصل في بعض الحالات إلى البحث عن فرص علاج خارج الوطن بتكاليف باهظة وأمل كبير في إيجاد حلول أكثر فعالية.

وبين معاناة المرضى ورهانات تطوير المنظومة الصحية، تتجه الجزائر نحو مواكبة هذه التحولات الطبية العالمية من خلال التوجه إلى إنشاء معهد متخصص في مجال الصيدلة لإنتاج الخلايا الجذعية والعلاج بها، في خطوة يُنتظر أن تشكل منعطفا مهما في مسار الطب الحديث داخل البلاد، ليس فقط من خلال توفير علاجات متطورة للمرضى، بل أيضا عبر بناء قاعدة علمية وطنية قادرة على تطوير البحث الطبي وتحقيق الأمن الصحي والسيادة العلاجية.

وكان وزير الصناعة الصيدلانية، وسيم قويدري، قد أعلن أن المعهد الجديد التابع لمجمع صيدال سيتم إنجازه بالعاصمة في غضون سنة واحدة، مؤكدا أن العلاج بالخلايا الجذعية أصبح من أكثر الحلول الطبية الواعدة على المستوى العالمي لعلاج الأمراض المستعصية، وفي مقدمتها السرطان والأمراض النادرة.

وأوضح الوزير أن هذا المشروع يشكل نقلة نوعية في المنظومة الصحية الوطنية، إذ سيساهم في تطوير قدرات الجزائر العلاجية والبحثية، وتقليص الاعتماد على الأدوية الكيميائية المستوردة، مع تحسين التكفل بالمرضى وتوفير علاجات متطورة داخل الوطن.

وفي إطار تعزيز الاكتفاء الذاتي الدوائي، كشف الوزير عن مشاريع كبرى لتطوير إنتاج المواد الأولية الصيدلانية محليا، بهدف تغطية 50 بالمائة من احتياجات الصناعة الوطنية بحلول عام 2027، خاصة في مجالات المضادات الحيوية وأدوية الأورام والسكري والهرمونات ومضادات الالتهاب.

كما أعلن عن التحضير لإنشاء مركز وطني للأبحاث في علم الفيروسات مرفق بمصنع لإنتاج اللقاحات البشرية والبيطرية، بما يسمح بتقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز القدرات الوطنية في مواجهة الأزمات الصحية والطوارئ الوبائية.

نهضة علمية حقيقية في مجال الطب والصيدلة
هذا المشروع لا ينبغي النظر إليه كمشروع طبي أو تقني محدود الأثر، يقول الدكتور امحمد كواش، الطبيب المختص في الصحة العمومية، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، وإنما باعتباره مشروعا استراتيجيا شاملا يحمل أبعادا علمية وصحية واقتصادية وتنموية كبيرة، لأنه يؤسس لمرحلة جديدة من التطور الصحي تقوم على امتلاك أدوات العلاج الحديثة وتقنيات الطب المتطور.

وأوضح الدكتور كواش أن إنشاء معهد متخصص في الصيدلة إلى جانب إنشاء مركز أو بولي لإنتاج الخلايا الجذعية والعلاج بها يمثل نهضة علمية حقيقية في مجال الطب والصيدلة، لأنه يسمح بإدخال تكنولوجيات حديثة ومتطورة جدا إلى المنظومة الصحية الجزائرية، كما يفتح المجال أمام تطوير أساليب علاجية كانت إلى وقت قريب حكرا على عدد محدود من الدول المتقدمة التي استطاعت تحقيق تقدم كبير في مجال الطب التجديدي.

وأشار المتحدث إلى أن العالم اليوم يعيش ثورة طبية غير مسبوقة، حيث أصبحت الأنظمة الصحية المتقدمة تتجه تدريجيا نحو العلاجات البيولوجية الحديثة وتقنيات العلاج بالخلايا الجذعية، باعتبارها من أكثر الأساليب العلاجية تطورا وفعالية مقارنة بالطرق التقليدية المعتمدة على الأدوية الكيميائية والعلاج الإشعاعي والعلاجات الكلاسيكية المختلفة.
وأضاف قائلا إن هذا المشروع سيشكل مكسبا حقيقيا للمنظومة الصحية الجزائرية، لأنه سيمكن الأطباء والباحثين الجزائريين من اكتساب خبرات جديدة وتطوير قدراتهم المهنية والعلمية في مجال الطب الحديث، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.

الخلايا الجذعية ثورة علاجية وأمل جديد للمرضى.

وأكد الدكتور كواش أن العلاج بالخلايا الجذعية أصبح اليوم يمثل ثورة حقيقية في عالم الطب، نظراً لدوره الكبير في علاج عدد من الأمراض المعقدة والمستعصية التي كانت تستدعي في السابق مسارات علاجية طويلة وصعبة ومرهقة بالنسبة للمريض، مشيرا إلى أن العلاج بالخلايا الجذعية له دور كبير جدا في علاج العديد من الأمراض، وخاصة بعض أنواع السرطان والأمراض المزمنة والأمراض الوراثية والأمراض الفيروسية المعقدة، وهو ما يجعل هذه التقنية الطبية تمثل أملا جديدا للكثير من المرضى الذين استنفدوا الحلول التقليدية أو الذين يعانون من مضاعفات وآثار جانبية للعلاجات الكلاسيكية.

وأوضح أن بعض أنواع السرطان، على غرار سرطان الدم وسرطانات النخاع وبعض الأمراض الوراثية المتعلقة بالدم، مثل فقر الدم المنجلي، يمكن أن تستفيد بصورة كبيرة من هذه التكنولوجيا الحديثة، كما أن العلاج بالخلايا الجذعية أصبح يفتح آفاقا واسعة لعلاج تلف أنسجة الشبكية وبعض إصابات العين المعقدة، إضافة إلى الحروق الشديدة والأمراض العصبية وأمراض المناعة وغيرها من الحالات المرضية التي كانت تمثل تحدياً كبيراً أمام الطب التقليدي.

ما هي الخلايا الجذعية وكيف تعمل؟

الخلايا الجذعية هي ما يمكن وصفه بالخلية الأصل أو الخلية الأم التي تمتلك قدرة كبيرة على الانقسام والتجدد والتحول إلى أنواع مختلفة من الخلايا الموجودة داخل جسم الإنسان.

هذه الخلايا تتميز بقدرتها على تعويض الخلايا التالفة أو المفقودة داخل الجسم، فعندما تتعرض بعض الأنسجة أو الخلايا للتلف بسبب مرض معين أو بسبب السرطان أو نتيجة الحروق والإصابات، يمكن الاستفادة من الخلايا الجذعية من خلال تطويرها وتنميتها داخل مخابر متخصصة وإعادة زرعها حتى تنمو من جديد وتقوم بتعويض الخلايا المتضررة.

وأشار كواش إلى أن هذه التقنية تمثل تطورا بالغ الأهمية لأنها تسمح أيضا بإعادة بناء بعض الأنسجة المتضررة لدى المرضى الذين خضعوا لعمليات استئصال أو علاجات معقدة الأمر الذي يفتح المجال أمام تحسين فرص الشفاء وتقليص نسب المضاعفات.

وأكد الدكتور كواش أن أكبر المستفيدين من هذا المشروع سيكونون المرضى أنفسهم لأن العلاج بالخلايا الجذعية يفتح المجال أمام خيارات علاجية أكثر دقة وأكثر فعالية وأقل معاناة مقارنة ببعض الأساليب العلاجية التقليدية.

وأوضح أن العديد من العلاجات الكلاسيكية وعلى رأسها العلاج الكيميائي والعلاج بالأشعة قد تترك آثارا جانبية كبيرة على المرضى سواء من الناحية الجسدية أو النفسية فضلا عن التكاليف المرتفعة المرتبطة بها.
وأضاف أن تطوير بدائل علاجية حديثة من شأنه أن يساهم في تحسين نوعية حياة المرضى والتقليل من معاناتهم اليومية وتمكينهم من الحصول على خدمات صحية متطورة داخل الوطن بدل الاضطرار إلى البحث عن العلاج في الخارج.
وبخصوص الجانب الاقتصادي أكد الدكتور كواش أن إدماج هذه التكنولوجيا الطبية الحديثة داخل الجزائر يحمل فوائد اقتصادية كبيرة للغاية لأن العلاج بالخلايا الجذعية يعد من أكثر العلاجات تكلفة على المستوى العالمي ويحتاج إلى تجهيزات متطورة ومخابر ذات دقة عالية.
وأوضح أن عددا كبيرا من المرضى الجزائريين يضطرون حاليا إلى التنقل نحو الخارج للاستفادة من هذه العلاجات الحديثة وهو ما يفرض تكاليف مالية ضخمة تشمل تكاليف السفر والإقامة والعلاج والمتابعة الطبية.
وأشار إلى أن هذا الوضع يمثل نزيفا للعملة الصعبة ويشكل عبئا إضافيا على الخزينة العمومية مضيفا أن توفير هذه الخدمات داخل الجزائر سيساهم في تقليص فاتورة العلاج بالخارج والحفاظ على الموارد المالية داخل الاقتصاد الوطني.

من الأمن الدوائي إلى الأمن الصحي والسيادة العلاجية

أكد الدكتور كواش أن الجزائر اليوم مطالبة بالانتقال من مفهوم الأمن الدوائي فقط إلى مفهوم أوسع وأكثر شمولا يتمثل في الأمن الصحي والأمن القومي العلاجي لأن الدول التي تمتلك التكنولوجيا الطبية المتقدمة أصبحت تمتلك جزءاً مهماً من سيادتها الوطنية.

وأضاف أن تطوير إنتاج الخلايا الجذعية محليا يسمح كذلك بدعم صناعة المواد الأولية الصيدلانية وتشجيع الصناعات البيولوجية الحديثة وتقليص التبعية للخارج في مجال التكنولوجيا الطبية.

وشدد المتحدث على أن إنشاء معهد متخصص في هذا المجال لن يقتصر على الجانب العلاجي فقط وإنما سيخلق ديناميكية علمية واسعة تشمل تكوين الأطباء والصيادلة والباحثين والتقنيين ومختلف الكفاءات العلمية.
وأوضح أن هذا المشروع سيسهم في تطوير البحث العلمي الطبي ورفع كفاءة الأطباء الجزائريين ونقل التكنولوجيا الحديثة إلى الجزائر كما سيسمح بتكوين جيل جديد من المختصين والباحثين في مجالات الطب الحيوي والصناعات الصيدلانية المتطورة.
وأضاف أن هذه التكنولوجيا كانت إلى وقت قريب حكراً على الدول المتقدمة بينما أصبحت الجزائر اليوم تمتلك فرصة مهمة لدخول هذا المجال بقوة.

من الطب التقليدي إلى الطب الشخصي والتجديدي.

ويرى الدكتور كواش أن هذا المشروع يمثل تحولا كبيرا في مسار الطب الجزائري لأنه لا يقتصر فقط على إدخال تقنية علاجية جديدة بل يؤسس لمرحلة جديدة في فلسفة العلاج نفسها.

وأوضح الدكتور بوجلال يوسف أن إنشاء أول معهد وطني متخصص في العلاج بالخلايا الجذعية يمثل خطوة استراتيجية نحو تعقيد وتطوير المنظومة الصحية بشكل عام والانتقال من الطب العلاجي الكلاسيكي أو التقليدي إلى الطب المتقدم والطب التجديدي.

وأشار إلى أن العالم اليوم يتجه بقوة نحو ما يعرف بالطب الشخصي وهو نموذج علاجي حديث يقوم على تقديم علاج يتناسب مع الخصائص الفردية لكل مريض بعيدا عن الأساليب التقليدية التي تعتمد على بروتوكولات موحدة للجميع.
وقال: “في السابق كانت العلاجات تعتمد على بروتوكول واحد تقريبا لفئات واسعة من المرضى لكن الطب الحديث يقوم على أن لكل مريض احتياجاته الخاصة وخصائصه البيولوجية المختلفة وبالتالي يحتاج إلى تكفل دقيق يتناسب مع حالته الصحية.”.

وأضاف أن الطب الشخصي شهد خلال السنوات الأخيرة انتشارا واسعا على المستوى العالمي رغم أن تطبيقاته ما تزال في مراحلها الأولى ومقتصرة على عدد محدود من الدول المتقدمة.
وأكد المتحدث أن أحد أهم أدوار العلاج بالخلايا الجذعية يتمثل في الانتقال من مرحلة علاج الأعراض إلى علاج أسباب المرض من جذورها.
وأوضح أننا حاليا نعتمد في كثير من الحالات على علاج الأعراض الناتجة عن المرض لكن العلاج بالخلايا الجذعية يسمح بمعالجة المشكلة من أساسها عبر إصلاح الأنسجة والخلايا المتضررة.
وأضاف أن هذا التوجه يمثل ثورة حقيقية في عالم الطب لأنه يفتح المجال أمام تجديد الخلايا التالفة واستعادة وظائفها بدل الاكتفاء بتخفيف الأعراض أو الحد من تطورها.

ما أهمية إنشاء أول معهد وطني للعلاج بالخلايا الجذعية؟

يرى الدكتور بوجلال يوسف أن أهمية المشروع تتجسد في عدة أبعاد استراتيجية أولها توفير علاجات متطورة داخل الجزائر لفائدة المرضى الذين كانوا يضطرون إلى التنقل نحو الخارج للاستفادة من هذه التقنيات الطبية الحديثة.

وأوضح أن الإقبال العالمي على العلاج بالخلايا الجذعية أصبح كبيرا جدا خلال السنوات الأخيرة وهو ما دفع عددا كبيرا من المرضى إلى البحث عن هذه الخدمات في الخارج بتكاليف مرتفعة.

وأضاف أن أهمية المشروع تكمن أيضا في تعزيز السيادة الصحية الوطنية عبر تأسيس بنية تحتية حديثة تشمل مصانع ومخابر ومراكز متخصصة في واحد من أكثر المجالات الطبية تطوراً في العالم.

.“>
                                     ​“>“>“>“>"".