تجربتي في هذا المجال كانت معقدة ومثيرة، حيث بدأت من أولى خطوات تعليم الكتاتيب المصرية والصينية المشتركة، التي تهدف إلى تبسيط العلوم الهائجة وتوجيه طلابها نحو بر الأمان.

وبفضل هذه التجربة، حصل الطلاب على فرص عمل متميزة من خلال الشركات الصينية وفروعها المنتشرة في الشرق الأوسط، بالتعاون مع الجامعة، وتحت إشراف حكومي صارم يتيح الفرص لطلاب اللغات، وخاصة العربية المنتشرين في العالم العربي لترويج المنتجات الصينية.

وتبقى دعابة “اندك اروسة” التي تسمعها المرأة المصرية عند فتح بابها لتجد فتاة صينية تروج لمنتجات الزفاف، ليست سوى دعاية ومغازلة صينية للقلب المصري للشراء، فالفتاة تجيد اللغة العربية الفصحى وتعرف أكثر من لهجة.

وفي ظل المكافآت التي تقدمها شجرة المشمش، كان هناك أيضًا عقاب صارم لكل طالب يتكاسل، فلا مجال للرفاهية في التعليم أو الوساطة. الجميع تحت رقابة صارمة إن أهمل درسه. تذكرت طريقة حكماء الصين القدماء في تلقين الدروس بشكل صارم والتركيز على مهارات الذاكرة للحفظ المباشر مع الفهم والالتزام بالأخلاق والطاعة للمعلم لبناء مجتمع منضبط.

كان ذلك يتم من خلال ما يعرف بالصينية بـ”منهج الفضائل الخمس” الذي يمثل الركن الأساسي للأخلاق والتربية عند المعلم والحكيم كونفوشيوس. هذا المنهج أصبح لاحقًا نظامًا تعليميًا قائمًا بذاته يتبعه الطلاب من خلال خمس ممارسات يتعلمونها قبل توجيههم للقراءة والكتابة.

أول هذه الممارسات الكونفوشيوسية هي “لي禮” أي الطقوس السلوكية، حيث تعتبر (لي) الفضيلة الأهم والأكثر تطبيقًا. وهي تعني التأدب مع المعلمين بدءًا من الانحناء عند دخول قاعة الدرس والالتزام بالجلوس بشكل مستقيم لساعات طويلة دون حركة. وعند الحديث مع المعلم يجب استخدام عبارات وقورة.

ثاني الممارسات هي “شين信”، سلوك التعلم على قيمة الأمانة والإخلاص. كان المعلم الصيني يعلم الطلاب أن الكلمة التي ينطق بها الشخص هي عهد شرف وميثاق غليظ، ويجب الالتزام بالوفاء بالعهود وعدم خلق أعذار لنسيان الواجبات الدراسية.

الممارسة الثالثة تتعلق بـ”تشي智” وهي القدرة على تمييز الحق من الباطل. الحكمة التعليمية لدى الصينيين لم تكن مجرد حفظ النصوص بل كانت تتضمن تحليل المواقف التاريخية وفهم العواقب الأخلاقية للقرارات السياسية لتنمية بصيرة الطلاب وقدرتهم على النقد والتحليل.

أما رابع هذه الممارسات فهو “يي義” الذي يتناول العدالة والاستقامة. يُربى الطلاب على قول الحق والالتزام بالواجب الأخلاقي ومقاومة الإغراءات. وتهدف هذه الممارسة إلى وضع الواجب والمبادئ الأخلاقية فوق المصالح الشخصية والطمع في الثروة.

وأخيرًا يأتي الركن الخامس المتجسد في “رِن仁” الذي يعبر عن قيمة التعاطف الإنساني. يقوم المعلمون بغرس فكرة الأخوة بين الطلاب وتقاسم الفهم بينهم، حيث يُطلب من الطلاب الأكثر ذكاءً مساعدة زملائهم الأقل استيعابًا.

ما رأيته بين طلابي كان تجسيدًا لهذا المفهوم؛ فكل فصل كان هناك طالب متفوق يسعى لمساعدة زملائه. أتذكر طالبتي النجيبة (مي) وطالبتي (مريم) والطالب المجتهد (فائق) و(كمال)، وما كانوا يقومون به من تكريس لمبدأ الـ(رن).

في نهاية الرحلة أدركت أن جوهر التعليم لا يكمن في تعدد المناهج وإنما في فن التواصل الروحي والمعرفي بين المعلم والطالب لإقامة صرح إنساني قادر على مواجهة تحديات الحياة وصناعة حضارته الخاصة.

لذا أرى أن الإيمان بقيمة الكتاتيب القديمة لدى الصينيين هو أحد أسس أهم وأعرق الجامعات الحديثة في الصين، والتي ساعدت على استعادة حضارتهم بعد فترة من التخلف والانقطاع، تمامًا كما عانت مصر من وباء التخلف في حضارتها.

لكن الصينيين تمكنوا من تجاوز هذا الوباء الحضاري باستحضار موروثهم التعليمي القديم الذي كان يُقام في الطبيعة المفتوحة بجوار الجداول المائية وتحت ظلال الأشجار مثل شجرة المشمش أو الجنكة المعروف أيضًا بشجرة المشمش الفضي. كانت جذوع هذه الأشجار مكانًا آمنًا يجتمع فيه الطلاب حول معلمهم لتلقي العلم منه.

كان يجلس المعلم في المنتصف على منصة خشبية مرتفعة قليلاً أو حصيرة قش سميكة بينما يتحلق الطلاب حوله جالسين ركوعا على ركبهم مع فرد أجسامهم بشكل يظهر أقصى درجات الاحترام والتركيز فيما يقوله المعلم.

استمد التعليم الصيني هيبته وجديته من هذا الأسلوب التعليمي تحت ظلال المشمش وعلى حصير القش الذي يرمز لتعاليم كونفوشيوس والتي تعرف الآن بالصين بـ(منصة المشمش)
.

وعلى الرغم من الدعوات المصرية لإعادة الكتاتيب، يبقى السؤال: كيف نعيدها وبأي روح نستلهام موروثها ونطور إرثها؟ التعليم هو وسيلتنا الوحيدة للخروج من مستنقع الوباء الفكري والاجتماعي الذي تعيشه مصر.