مراجعات.

الثلاثاء 30/يونيو/2026 – 09:07 م 6/30/2026 9:07:01 PM .

لم يكن الانتشار السريع لـ«الإعلام الرقمي» مؤخرًا مجرد تطور تقني، بل تحولًا جذريًّا أنهى احتكار المِنَصَّات التقليدية للمشهد الإعلامي، ليفتح المجال أمام الجميع للمشاركة في صناعة المحتوى وتوجيه الرأي العام
هذا الانفتاح غير المسبوق وسَّع هامش حرية التعبير، لكنه كشف عن تحديات عميقة تتعلق بجودة المحتوى، والمسؤولية المهنية، ومستقبل الإعلام في عصر يُفترض فيه تراجع سُلطة «الحارس التقليدي» للمعلومة
لعل ما نلاحظه الآن هو انتقال «البودكاست» من «مساحة» حرة للحوار إلى «ساحة» يتبارى فيها «الطامحون» لجَنْي الأرباح وزيادة نسبة المشاهدات، حتى لو اختلطت الحرية بالفوضى، وأصبح الرأي معلومة، والإثارة منهجًا، والضجيج بديلًا عن المعرفة
لذلك لم يكن تشبيه «البودكاست» بـ«التوكتوك» مجرد استعارة عابرة أطلقها «وزير الإعلام الأسبق أنس الفقي»، بل كان توصيفًا واقعيًّا يحمل قدرًا كبيرًا من القلق إزاء حالة «السيولة» غير المنضبطة التي يعيشها الفضاء الإعلامي
ربما يجد البعض تشابهًا كبيرًا بين «التوكتوكين»، نظرًا لعدم وجود طريق واضح ومحدد أو قواعد مستقرة تكبح اندفاع التهور الذي تجاوز معايير المهنية لتحقيق ملايين المشاهدات بقليل من الوعي وكثير من التشويش
نتصور أن الأزمة ليست في «البودكاست» ذاته كوسيط إعلامي متطور، وإنما في سوء استخداماته ومقاصده، خصوصًا إذا أسهم في تحويل الجهل إلى بطولة والسطحية إلى صناعة والإسفاف إلى وسيلة سريعة للانتشار
اللافت أن بعض صُنَّاع المحتوى أصبح شاغلهم الآن استخدام «الإعلام الرقمي» لتحقيق أرباح طائلة بعيدًا عن «تكلفة المخاطرة»، ليبقى «الترند» غاية، فإن غابت «القصة» اختلقوها، ولو هَدَأ الجدل أشعلوه، وإن لم يجدوا خبيرًا استضافوا مُدَّعيًا.. المهم أن يظل «التوكتوك» مسرعًا حتى لو دهس في طريقه المنطق والموضوعية
ورغم أن المؤسسات التقليدية قد تكون أخطأت أحيانًا حين بالغت في الوصاية الإعلامية، إلا أن بعض المِنَصَّات الرقمية كانت على النقيض تمامًا حتى بدا المشهد وكأنه لا يعترف إلا بمَن يُجيد الصراخ أكثر من التفكير، وبالتالي تحولت المهنية إلى فوضى ضحيتها الأولى الجمهور الذي يتنقل بين محتوى يفتقد الحرية وآخر يفتقر إلى المسؤولية
إذن في ظل تسارع وتيرة انتشار «البودكاست» بشكل لافت ووجود مِنَصَّات تقدم محتوىً ثريًا وأفكارًا جديدة، إلا أن غالبيتها تكتفي باستحضار الذكريات وسرد أحداث الماضي.. إما تجنبًا للخوض في أزمات وتعقيدات الحاضر أو ابتعادًا عن استشراف المستقبل الغامض
أخيرًا ليست القضية صراعًا بين إعلام «تقليدي» وآخر «رقمي»، أو بين «شاشة» و«مِنَصَّة»، لكن جوهر الاختلاف بات يتأرجح بين المهنية والفوضى والحقيقة والادعاء في ظل حداثة تكنولوجية تُيَسِّر صناعة المحتوى لكنها بالتأكيد لا تصنع إعلامًاإذ إن المصداقية لا يُعوِّضها انتشار ولا يصنعها «تريندات» لزيادة عدد المشاهدات
فصل الخطاب:
ليست هناك أزمة في أن يتحول «البودكاست» إلى «توكتوك فضائي»، وإنما أن يعتاد الناس ركوبه ظنًّا منهم بأن الضجيج معرفة وزيادة التفاعلات شهادة كفاءة وتميز أو أن كل مَن يحمل ميكروفوناً أصبح جديرًا بالسيطرة على عقول الآخرين.

[email protected].