ما رأيكم بمريض يذهب إلى استشارة طبيب القلب ليسأله عن مشكلة في المسالك البولية؟ حجته بذلك أن كليهما يحمل شهادة في الطب ومتخرج من كلية واحدة، أليس كذلك؟ وما رأيكم بشخص يذهب إلى عيادات الأرصفة في شوارع الهند لمعالجة مشاكل الأسنان بلا شهادات، وبلا مواعيد، وباستخدام أدوات بدائية؟ حجته بذلك أن الخبرة أهم من الشهادة. حقًا، لماذا نستنزف المزيد من الأموال؟ ولماذا نحصل على شهادات أصلًا؟ ولماذا نتوسع في دراسة مجالات دقيقة؟ المسألة تعتمد على الخبرة، فكل ما نحتاجه هو ملاقط ومشابك ومطرقة ومسمار لخلع الأسنان، وقليل من المهارة وخفة اليد.
قياسًا على ذلك، دعونا نركب موجة التخطيط العمراني بالمنطق نفسه؛ فما رأيكم بمن يضع حلولًا واستراتيجيات للمدن بالخبرة وهو لم يدرس تخصص التخطيط العمراني؟ فالمسألة بسيطة، كل ما نحتاجه هو حضور بعض الدورات وقراءة مجموعة من الكتب وفهم بعض النظريات، أليس كذلك؟ الجميع قادر على ممارسة مهنة “التخطيط العمراني” بالتسليك إن جاز التعبير، وبذلك تصبح المدن مسرحًا للتجارب يتسع الجميع.
في الحقيقة، كل مهنة لا يمكن ممارستها بلا اعتماد مهني، أو هكذا المأمول. يتم الحصول على الاعتماد بعد اجتياز مرحلة التأهيل الأولية في المجال. الجمعيات المهنية يفترض أن تنظم المهنة وتضع المعايير اللازمة لممارستها وتحفظ حقوق المنتسبين للتخصص وتحميهم. كما تلزم بعض الجمعيات المهنية منسوبيها باختبارات فحص قبل إصدار تصاريح الممارسة. فالمهندس الكهربائي مثلًا لا يُطلق عليه لقب مهندس كهربائي إلا بعد الحصول على شهادة في الهندسة الكهربائية. وطبيب العظام لا يحصل على اللقب إلا بعد الحصول على شهادة من قسم جراحة العظام واجتياز اختبار التخصص، ويمكنه عندئذ مواصلة دراسته الدقيقة ليصبح متخصصًا في الأطراف العلوية أو السفلية أو طب عظام الأطفال. أما التخطيط العمراني، فالبعض يقول إن دراسته يمكن أن تقتصر على مرحلة الدراسات العليا دون وجود أساس علمي؛ إذ لا حاجة إلى دراسات مستفيضة في المرحلة الجامعية كما يرون. ولكن هل يمكن أن يحل الحصول على شهادة عليا محل مرحلة التأسيس؟ أرى أن مرحلة الدراسات العليا عمومًا هي مرحلة التوسع البحثي التي يتعلم فيها الطالب أصول “القراءة والكتابة الأكاديمية” ولا تقدم فيها مشاريع أو ممارسات حقلية أو علوم واسعة النطاق كما في مرحلة البكالوريوس.
التخطيط العمراني من التخصصات الجوهرية التي تهدف إلى الارتقاء بالمجتمع وتنمية المدن بطريقة مستدامة. والمملكة العربية السعودية تشهد طفرة عمرانية ومشاريع تطوير حضري وتحول عمراني واسع. المدن اليوم أصبحت المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي وتعزيز جودة الحياة والاستدامة، ولم يعد منظور التخطيط العمراني مقتصرًا على توزيع استعمالات الأراضي أو أعداد المخططات الفنية كما يعتقد البعض؛ بل هو أداة استراتيجية وسياسة لتوجيه التنمية ورفع كفاءة الإنفاق والتكيف مع التحولات العالمية.
ولكن رغم هذا التوسع لا تزال هناك فجوة واضحة بين عدد الممارسين وخريجي الجامعات من هذا التخصص مقارنة بحجم التحولات الحضرية التي نشهدها. وهذا ما يدعوني للتساؤل: كيف ننتظر مخرجات مستقبلية خلاقة للمدن إذا كان بعض الممارسين في هذا الحقل الدقيق لا يحمل مؤهلًا في تخطيط المدن؟ عجبًا، يلوم البعض التخطيط ويخطئ في عنوانه كمن يتردد دوما على عيادة طبيب القلب لعلاج المسالك البولية.

