واصل مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف فعاليَّات ملتقيات (شبهات وردود)، التي تنظِّمها اللجنة العُليا لشئون الدعوة بالمجمع في إطار برنامج (منبر الوعي).

وحاضر في الملتقى الرابع الذي عُقِد اليوم عقب صلاة المغرب في مدينة البعوث الإسلاميَّة، الدكتور عبد الفتَّاح العواري، عضو مجمع البحوث الإسلامية، والشيخ عبد الحميد رميح، عضو لجنة الفتوى بالمجمع. حيث تناولا دعوى وجود التعارض والتناقض في القرآن الكريم، والرد على ما يُثار حولها من شُبُهات، من خلال معالجة علميَّة تناولت مفهوم التعارض وأهم أسباب توهُّمه، وضوابط فهم النصوص القرآنيَّة في سياقاتها المختلفة.

وفي كلمته، أوضح الدكتور عبد الفتاح العواري أنَّ دعوى وجود التعارض في القرآن الكريم تعد من الشُّبُهات القديمة المتجدِّدة، وقد أعادت بعض الاتجاهات الحداثيَّة طرحها عبر قراءة النص القرآني قراءةً تاريخيَّةً أو بشريَّةً، تنطلق من افتراض تشكُّله داخل سياق تاريخي وثقافي محدَّد. مؤكِّدًا أن هذه القراءة تبدأ في بعض صورها من نتيجة مفترضة، ثم تسعى إلى تفسير النَّص بناءً عليها، بدلاً من اختبار الفرضيَّة في ضوء مجموع النَّص ومعطياته.

وبيّن الدكتور العواري أن أولى خطوات الرد على هذه الشبهة تكمن في تحرير مفهوم التعارض؛ إذ لا يتحقَّق التعارض الحقيقي إلا إذا أثبت نصَّان أمرين متناقضين في محلٍّ واحد وزمانٍ واحد وجهةٍ واحدة، بحيث يستحيل صدقهما معًا. أما اختلاف الألفاظ أو السياقات أو الأحكام فلا يعني بالضرورة وجود تناقض. مشيرًا إلى قول الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾.

ولفت عضو مجمع البحوث الإسلامية إلى أن أبرز أسباب توهُّم التعارض يكمن في الخلط بين الاختلاف التنُّوعي والاختلاف التضادِّي؛ فقد يعبِّر القرآن الكريم عن الحقيقة الواحدة بألفاظ متعدِّدة بحسب المقام والسياق، وقد يعرض القضية الواحدة من زوايا مختلفة بما يخدم مقصد السورة وموضوعها دون أن يكون بين هذه البيانات تناقض. موضِّحًا أن الاقتصار على مقارنة عبارتين أو آيتين معزولتين عن سياقهما يؤدي إلى نتائج غير دقيقة.

كما أوضح أن اختلاف بعض الأحكام الشرعيَّة في مراحل التشريع لا يمثل تناقضًا؛ بل يدخل في إطار النسخ والتدرُّج التشريعي. فالانتقال من حكم إلى آخر وفق مقتضى الحكمة والمصلحة لا يعني أن الحكمين متناقضان ما دام كل حكم قد جاء في مرحلته وظرفه. وقد قرّر القرآن الكريم هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾.

وشدّد على أهميّة السياق في فهم القرآن الكريم ودفع توهُّم التعارض. مبيّنًا أن المعنى قد يتغيّر بتغيُّر المخاطَب أو الموضوع أو سبب النزول أو المقام الذي وردت فيه الآية. وأن كثيرًا من الإشكالات تزول عند جمع الآيات المتعلِّقة بالموضوع الواحد والنظر إليها في سياقها الداخلي والخارجي. لافتًا إلى أن من أصول التفسير تفسير القرآن بالقرآن ثم بالسُّنّة النبويّة مع مراعاة اللغة العربيّة وأسباب النزول وقواعد الاستنباط.

وأكّد الدكتور عبد الفتاح العواري أن المنهج العلمي في التعامل مع هذه الشُبُهات يقتضي عدم تحويل الفرضيّة إلى نتيجة مسبقة؛ فإذا كان القرآن الكريم يقرِّر اتِّساقه ويدعو إلى تدبُّره ويقدّم نفسه وحيًا من عند الله تعالى؛ فإن إثبات وجود التعارض فيه يحتاج إلى برهان يثبت التناقض الحقيقي وليس مجرد اختلاف في الصياغة أو تنوُّع في الأحكام أو تعدُّد في السياقات.

القراءة الصحيحة للقرآن تقتضي جمع النصوص المتعلِّقة بالموضوع الواحد

من جانبه، قال الشيخ عبد الحميد رميح: إن القراءة الصحيحة للقرآن الكريم لا تقوم على اجتزاء الآيات أو فصل بعضها عن بعض، وإنما تقتضي جمع النصوص المتعلِّقة بالموضوع الواحد والنظر في دلالاتها ضمن سياقاتها؛ لأن عزل الآية عن سياقها قد يُنشئ إشكالًا لا وجود له عند استكمال الصورة القرآنيّة.

وأشار الشيخ رميح إلى أن التدبُّر الذي دعا إليه القرآن الكريم هو نظر يجمع بين الآيات ويراعي أسباب النزول ودلالات اللغة ومقاصد الخطاب؛ بما يساعد على فهم العلاقات بين النصوص ويكشف اتساقها وتكاملها. مؤكدًا أن كثيرًا من الشُّبُهات المثارة تحت عنوان (التعارض) تنشأ من قراءة انتقائيّة تقتطع النصوص من سياقاتها.

وبيّن عضو لجنة الفتوى بمجمع البحوث الإسلامية أن تعدّد الأساليب القرآنيّة في عرض القصص والقضايا لا يعني اضطرابًا في الرواية أو تناقضًا في المعنى؛ فالقرآن الكريم قد يذكر من القصة ما يتناسب مع مقصد السورة وسياقها وقد يعرض القضية الواحدة بأسلوب مختلف لتحقيق غرض بياني أو تربوي أو تشريعي؛ وهو ما يؤكد ثراء النص وتكامله ولا يثبت وجود تعارض فيه.

وتأتي هذه الملتقيات ضمن جهود مجمع البحوث الإسلاميّة لترسيخ الوعي الديني الرشيد وتحصين الشباب من الشّبُهات والمفاهيم المغلوطة عبر تقديم معالجة علمية رصينة لما يُثار حول الإسلام ومصادره تستند إلى أصالة المنهج الأزهري ورصانة الدليل ووضوح الطرح بما يُسهِم في بناء شخصية واعية تمتلك أدوات الفهم الصحيح وتُحسن قراءة القضايا الفكرية وتميز بين الحق والباطل وتفنّد الشّبُهات بالحجة والعلم.