طفرة متوقعة فى الصادرات والاستثمارات بعد انتهاء التوترات.
يمر الاقتصاد المصرى بمرحلة محورية فى عام 2026، حيث تتضافر جهود التعافى من أزمة ميزان المدفوعات التى شهدتها الفترة 2023-2024 مع استعدادات لمرحلة ما بعد توقف الحرب الإقليمية.
وتتجه التوقعات الاقتصادية العالمية إلى أن أى تهدئة أو تسوية دائمة للصراعات العسكرية فى الشرق الأوسط، خاصة فى حال انتهاء التوترات الممتدة بين الولايات المتحدة وإيران وعودة الاستقرار إلى الممرات البحرية الاستراتيجية مثل مضيق هرمز، ستشكل نقطة تحول مهمة فى حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية، ويأتى الاقتصاد المصرى ضمن الاقتصادات التى يتوقع أن تستفيد بشكل مباشر من هذا التحسن، سواء على مستوى الصادرات أو تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر.
ووفق بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، سجلت الصادرات المصرية غير البترولية مستويات قياسية خلال السنوات الأخيرة، حيث بلغت إجمالى الصادرات نحو 48.6 مليار دولار فى عام 2025، وهو أعلى مستوى فى تاريخ التجارة الخارجية المصرية الحديثة، مع استحواذ الصادرات غير البترولية على ما يقارب 75% إلى 80% من إجمالى الصادرات.
كما شهد الاقتصاد المصرى خلال النصف الأول من العام المالى 2025/2026 نمواً بلغ 5.3%، مع توقعات بأن يتراوح النمو فى الربع الثالث بين 4.8% و5%، ورفعت الحكومة توقعاتها لنمو الناتج المحلى الإجمالى للعام المالى الحالى إلى 5.2%، بزيادة 0.7 نقطة مئوية عن التوقعات السابقة، على الرغم من التحديات العالمية الناجمة عن الحرب الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز.
وقد أثنى صندوق النقد الدولى على سياسات الاستقرار التى انتهجتها مصر، معتبراً أنها «أثبتت فاعليتها»، كما أشار إلى انخفاض التضخم إلى 11.9% فى يناير 2026 وعودة الاحتياطيات الأجنبية إلى مستويات قوية تجاوزت 59 مليار دولار، مدعومة بتدفقات السياحة وتحويلات المصريين بالخارج.
وتستهدف خطة التنمية للعام المالى 2026/2027 تحقيق نمو اقتصادى بنسبة 5.4%، على أن يرتفع إلى 6.8% بحلول العام المالى 2029/2030، مع سيناريو أكثر تحفظاً بنمو 5.2% فى حال استمرار حالة عدم اليقين العالمية، ومن المتوقع أن يرتفع الناتج المحلى الإجمالى الاسمى من 21.2 تريليون جنيه فى 2025/2026 إلى 24.5 تريليون جنيه فى 2026/2027، ليصل إلى 36.8 تريليون جنيه بحلول 2029/2030.
وفى ذات السياق، أكد الدكتور يوسف إبراهيم، الخبير الاقتصادى، أن انتهاء المواجهات الأمريكية الإيرانية بصورة مستقرة وعودة حركة الملاحة بشكل طبيعى فى مضيق هرمز والممرات البحرية الرئيسية سيترك آثاراً إيجابية مباشرة على أداء الصادرات المصرية خلال الفترة المقبلة، مشيراً إلى أن استقرار الأوضاع الجيوسياسية يمثل عاملاً مهماً فى دعم حركة التجارة الدولية وتعزيز قدرة الدول المصدرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية بكفاءة أكبر.
وأوضح أن توقف التوترات العسكرية سيؤدى إلى استعادة الاستقرار فى حركة النقل البحرى، وهو ما سينعكس على تقليص فترات الشحن والوصول إلى الأسواق المستهدفة، إلى جانب خفض تكاليف النقل والتأمين التى ارتفعت خلال فترات الاضطرابات، مضيفاً أن هذه التطورات ستمنح المنتجات المصرية ميزة تنافسية أكبر فى الأسواق العالمية، خاصة فى ظل اعتماد العديد من الدول المستوردة على انتظام سلاسل الإمداد وسرعة وصول السلع.
وأشار إلى أن تحسن حركة الملاحة الدولية لا يقتصر تأثيره على خفض التكاليف فقط، بل يمتد أيضاً إلى تنشيط حركة التجارة العالمية وزيادة الطلب على السلع والمنتجات المختلفة، الأمر الذى يفتح فرصاً أوسع أمام الصادرات المصرية للتوسع فى الأسواق الخارجية وتحقيق معدلات نمو أعلى خلال الفترة المقبلة.
ولفت إلى أن هيكل الصادرات المصرية شهد تحولاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، حيث تراجعت هيمنة الصادرات البترولية لصالح الصادرات غير البترولية التى أصبحت المحرك الرئيسى للنمو التصديرى، موضحاً أن قطاعات الصناعات الغذائية والحاصلات الزراعية والصناعات الهندسية والصناعات الكيماوية ومواد البناء تقود هذا التحول، بعدما سجلت الصادرات المصرية نحو 48.6 مليار دولار خلال عام 2025، واستحوذت الصادرات غير البترولية على ما يتراوح بين 75% و80% من إجمالى الصادرات.
وأضاف أن هذه القطاعات ستكون الأكثر استفادة من عودة الاستقرار إلى المنطقة، نظراً لاعتمادها بصورة كبيرة على كفاءة سلاسل النقل والشحن البحرى، كما أن انخفاض تكاليف الخدمات اللوجستية سيسهم فى تعزيز قدرتها على المنافسة داخل الأسواق الإقليمية والعالمية، وهو ما قد يدعم جهود الدولة الرامية إلى زيادة حصيلة الصادرات ورفع معدلات النمو الاقتصادى.
وفيما يتعلق بتأثير انتهاء المواجهات على الاستثمار، أوضح الدكتور يوسف إبراهيم أن مصر نفذت منذ عام 2014 سلسلة من المشروعات التنموية الكبرى التى استهدفت تحسين البيئة الاستثمارية، شملت إنشاء مدن صناعية جديدة، وتطوير البنية التحتية، والتوسع فى شبكات الطرق والمرافق والخدمات اللوجستية، بما أسهم فى تعزيز جاذبية الاقتصاد المصرى أمام المستثمرين المحليين والأجانب.
وأشار إلى أن إطلاق برنامج الإصلاحات الهيكلية كان من المتوقع أن ينعكس بصورة أكبر على تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر، إلا أن التطورات الجيوسياسية التى شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة حدت من قدرة العديد من دول المنطقة، ومن بينها مصر، على جذب الاستثمارات بالمعدلات المستهدفة.
وأكد أن انتهاء المواجهات الأمريكية الإيرانية وبدء مرحلة من الاستقرار الجيوسياسى فى الشرق الأوسط من شأنه أن يعيد الثقة إلى المستثمرين الدوليين ويشجع على ضخ استثمارات جديدة فى الأسواق الواعدة، وأضاف أن القطاعات الأكثر جذباً للاستثمارات خلال المرحلة المقبلة ستكون الصناعة والطاقة والخدمات، إلى جانب المشروعات الكبرى والصفقات الاستثمارية الضخمة التى تعكس ثقة المستثمرين فى الاقتصاد المصرى، ومن أبرزها مشروع رأس الحكمة.
وتوقع أن تشهد مصر زيادة ملحوظة فى حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال الفترة المقبلة مع تحسن الأوضاع الإقليمية، مشيراً إلى أن تدفقات الاستثمار قد تصل إلى نحو 20 مليار دولار بنهاية العام المالى 2025/2026، مدعومة بعودة الاستقرار إلى المنطقة واستمرار جهود الدولة فى تحسين مناخ الأعمال وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطنى.

