الزلازل والهزات الأرضية، أجاب الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، عن سؤال ورد للموقع الرسمي لدار الإفتاء المصرية يسأل صاحبه عن الأمور المطلوبة شرعًا والآداب التي يستحب للمسلم فعلها عند وقوع الزلازل والهزات الأرضية.

الحكمة من الزلازل والهزات الأرضية

أوضح مفتي الجمهورية أن الزلازل والهزات الأرضية تُعتبر آيات كونية عظيمة يجريها الله سبحانه وتعالى في كونه لحِكَمٍ بالغة، منها: تذكير العباد بعظمة خالقهم وكمال سلطانه. قال الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53]. كما أنها تُوقظ القلوب من غفلتها وركونها إلى الدنيا الفانية ونسيان الآخرة، فهي تذكرة مشهودة لزلزلة يوم القيامة. قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ۝ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 1- 2].

وقد أرشدت الشريعة الإسلامية إلى آداب وسلوكيات ينبغي أن يتحلى بها المسلم عند حدوثها، تبدأ بالمبادرة إلى التوبة الصادقة والإقلاع عن المعاصي، واللجوء إلى الله تعالى والتضرع إليه بالدعاء. كما يُستحب التحلي بالصبر والثبات والطمأنينة بذكر الله تعالى، والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتجاوز مشاعر الهلع. يُفضل أيضًا الصلاة في تلك الأوقات منفردًا، مع مراعاة الأخذ بالأسباب الوقائية والالتزام بالإرشادات والتعليمات الاحترازية الصادرة عن الجهات المختصة حفاظًا على الأرواح، وإعانة الآخرين وطمأنتهم على قدر الوسع والطاقة.

الآداب والأعمال المستحبة عند وقوع الزلازل

تابع المفتي أنه لما كان الإيمان المعتبر عند وقوع هذه الآيات يتجسد في العمل واللجوء إلى الله تعالى وقت الشدائد، فإن الشريعة الإسلامية أرشدت المسلم إلى جملة من الآداب والأعمال المستحبة عند وقوع الزلازل والهزات الأرضية، من أهمها:.

أولًا: التوبة الصادقة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى. ذلك هو أول ما ينبغي أن يهرع إليه المسلم عند حلول مثل هذه الآيات، عملًا بعموم قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]، وقوله سبحانه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات: 50]؛ إذ بالإنابة والفرار إلى الله يستكين القلب ليصبح الخوف أمانًا ربانيًا. وهذا ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند حديثه عن آيتَي الكسوف والخسوف خاصةً، والآيات الكونية عامةً حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: «هَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي يُرْسِلُ اللهُ لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلكن يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ. فإذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ فافزعوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدعائِهِ واستغفارَه» متفق عليه.

ثانيًا: يُسن عند حدوث آية من آيات الله الكونية -كالزلازل والصواعق والرياح الشديدة- المبادرة إلى التضرع إلى الله تعالى والدعاء. فمثل هذه الآيات تمثل تذكيرًا دائمًا للعباد بضعفهم وحاجتهم إلى ربهم سبحانه بالرجوع إليه والتضرع بين يديه لرفع البلاء والشدائد.

كما ورد في السنة النبوية المطهرة بعض الأدعية والأذكار التي يلجأ بها العبد إلى الله تعالى عند وقوع ما يُفزع أو يقلق متضرعًا راجيًا السلامة والنجاة. منها ما جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال: «اللَّهُمَّ لَا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ وَلَا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ وَعافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ» أخرجه الإمامان الترمذي والنسائي في “السنن الكبرى”.

ومنها ما جاء عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا عصفت الريح قال: «اللَّهُمَّ إني أستعينكَ بخيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها ومن شر ما فيها ومن شر ما أرسلت به»، وعندما تتغير السماء ويتبدل لونها ويخرج الناس ويدخلون ويقبلون ويدبرون، فإذا أمطرت سرت عنه؛ فعرفت ذلك عائشة وسألته فقال: لعله يا عائشة كما قال قوم عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَالِيًّا مُسْتَقْبِلًۭا أَوَدِيَّتَهُمْ قَالُوا هٰذَا عَالِيٌّ مُمْطَرُنَا﴾ [الأحقاف: 24]» متفق عليه.

ثالثًا: التحلي بالصبر والثبات الإيماني؛ فإن الخوف عند وقوع الزلازل أثر طبيعي يعتري النفس البشرية. غير أن الإيمان الصادق لا يدع صاحبه فريسة للهلع والخوف المفرط الذي قد يؤدي به في بعض الأحيان إلى التهلكة؛ بل يجعله ثابتًا بعلمه بأنه لن يصيبه إلا ما كتب له. قال تعالى: ﴿قُل لَنْ يُصيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُو مَوْلَىٰنَا وَعلَى اللَّه فَلِيَتَوكل المُؤمنُون﴾ [التوبة: 51]. وقال تعالى أيضًا ﴿وَلَنَبُلُونَّكُم بِشَيْءٍ مِّن الْخَوۡف وَالجوۡع ونَقۡص مِّن ٱلأَمۡوَال وَٱلأنفُس وَٱلثّمَرٰت ۖ وَبشِّر ٱلصّٰبريِن﴾ [البقرة: 155].

ويزداد هذا الثبات والاطمئنان في القلب بذكر الله تعالى؛ إذ قال تعالى ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُوا وَتطمئن قُلُوبَهُم بِذِّكر ٱللَّه ۖ أَلَا بِذِّكر ٱللَّه تَقْمَنُّ ٱلقُلُوب﴾ [الرعد: 28]. وقد ورد في السنة المطهرة أن الإنسان إذا حصل له ما يُروِّعه أن يقول “الله ربي لا شريك له”؛ فجاء عن ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا راعه شيء قال «الله ربي لا شريك له» أخرجه الإمام النسائي في “السنن الكبرى”.

رابعًا: الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فهي تُنور القلوب وتفرج الكروب وتطمئن النفوس.

خامسًا: يُسن التنفل بالصلاة عند وقوع الزلازل والهزات الأرضية؛ وذلك لإظهار اللجوء إلى الله عز وجل بالوقوف بين يديه سبحانه فتتنزل السكينة والطمأنينة على القلوب. وقد نص الفقهاء على سنية الصلاة فرادى عند حدوث الزلازل وغيرها من الآيات الكونية.

سادسًا: ينبغي الحرص على الالتزام بالإجراءات الاحترازية والإرشادات التي يضعها أهل الاختصاص؛ فإن الأخذ بالأسباب والتحرز من المخاطر أصل أصيل في الشريعة الإسلامية ولا يتنافى مع التوكل على الله تعالى بل يعد امتثالاً لأمره بالحذر والاحتياط. قال تعالى ﴿يـٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خـُذُوا حذرٓكُمْ﴾ [النساء: 71] وقوله سبحانه ﴿وَلَا تُلۡقُوا بِأَيْدِيكم إِلَى التَّهۡلُكَةِ﴾ [البقرة: 195].

سابعًا: إعانة الآخرين في طمأنتهم ومساعدتهم على قدر الوسع والاستطاعة؛ فالشريعة الإسلامية ترسخ قيم التكافل الاجتماعي خاصةً في مثل هذه الظروف باستحباب المبادرة إلى طمأنة الخائفين وإعانة المنكوبين وتقديم الدعم حسب القدرة والسعة. قال تعالى ﴿وَتَعـاوَنُوا عَلَى ٱلبّرّ وَٱلتّقوى﴾ [المائدة: 2].