قالت دار الإفتاء المصرية إنه لا يجوز شرعًا الطعن في مشروعية الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، حتى لو كان هناك أمور محرمة قد تحدث خلال هذا الاحتفال.

الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف

وأضافت في فتوى سابقة أنه لا يجوز شرعًا الطعن في مشروعية الاحتفال بـذكرى المولد النبوي الشريف، بل يجب إنكار أي منكرات قد تحدث خلاله، مع تنبيه أصحابها – بالحكمة واللِّين – إلى مخالفتها للمقصد الأساس الذي أقيمت من أجله هذه المناسبات الشريفة.

وأشارت إلى أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف هو تعبير عن التعظيم والاحتفاء بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهو أمر مقطوع بمشروعيته؛ لأنه يعكس محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي ركن من أركان الإيمان.

واستندت دار الإفتاء إلى مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي من القرآن والسنة واتفاق علماء الأمة.

الدليل من الكتاب الكريم

قال الله تعالى: ﴿وذَكِّرهم بأَيامِ اللهِ﴾ [إبراهيم: 5]، ومن أيام الله تعالى هي أيام نصره لأنبيائه وأوليائه، وأيام مواليدهم، وأعظمها قدرًا هو مولد الحبيب المصطفى والنبي المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم.

كما كرَّم الله تعالى أيام مواليد الأنبياء عليهم السلام وجعلها أيام سلام؛ فقال سبحانه: ﴿وسَلَامٌ عليه يَومَ وُلِدَ﴾ [مريم: 15]. ويوم الميلاد هو نعمة الإيجاد، وهو سبب كل نعمة تليه، ويوم ميلاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو سبب كل نعمة في الدنيا والآخرة.

وقال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: 58]، حيث إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الرحمة العظمى للعالمين؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: “فضلُ الله: العلمُ. ورحمتُه: مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم” كما أخرجه أبو الشيخ في “تفسيره”.

الدليل من السنة النبوية

سُئِل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذاكَ يَوْمٌ وُلِدتُ فِيهِ» رواه الإمام مسلم عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه. وهذا يدل على مشروعية الاحتفال به بصوم يوم مولده.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء، فقال لهم: «مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟» فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى فيه الله موسى وقومه وغرق فرعون. فأجابهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائلاً: «فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فصامه وأمر بصيامه. متفق عليه.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: مرّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأناس من اليهود قد صاموا يوم عاشوراء، فسألهم عن السبب وقالوا إنه اليوم الذي نجّى فيه موسى وبني إسرائيل. فأجابهم النبي بأن «أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى»، وأمر أصحابه بالصيام. أخرجه الإمام أحمد في “المسند”.

إذا كان الاحتفال بيوم نجاة سيدنا نوح ويوم نصر سيدنا موسى مشروعًا، فإن مشروعية الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم تكون أولى بذلك.

وعن بُرَيْدَة الأسلمي رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج في بعض مغازيه وعندما عاد جاءت جارية سوداء وقالت له إنها نذرت إن ردّها سالمًا أن تضرب بين يديه بالدّف وتغني. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن كُنتِ نَذَرتِ فاضرِبِي، وإلَّا فلا». رواه ابن أبي شيبة والإمام أحمد والترمذي وصححه.

إذا جاز ضرب الدّف فرحًا بقدوم النبي سالماً، فإن الاحتفال بمولده أولى بذلك.

وقد درجت الأمة الإسلامية منذ القرن الرابع والخامس دون نكير على الاحتفال بمولد الرسول بإحياء ليلة المولد بأنواع القربات مثل إطعام الطعام والصيام وتلاوة القرآن والأذكار وإنشاد الأشعار والمدائح في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما ذكر ذلك المؤرخون مثل الحافظ ابن الجوزي وابن دحية وابن كثير وغيرهم.

الدروس المستفادة من ذكرى المولد النبوي

وذكرت دار الإفتاء عبر موقعها الرسمي أن الدروس المستفادة من ذكرى مولد المصطفى أكثر من أن تحصى أو تُعدّ. ومن أهمها ما يعيننا على تحمل مشاق الحياة؛ وهو الصبر الذي ذكره ربنا سبحانه وتعالى كثيرًا في آيات القرآن الكريم وجعله جزءًا من أخلاق الرسول؛ حيث قال له ربه عز وجل كثيرًا: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ﴾ [النحل: 127] و﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: 5].

وأكدت أن الصبر نصف الإيمان وأن الصابرين يوفون أجرهم بغير حساب كما أخبر بذلك رب العالمين. كما توجد دروس أخرى تتعلق بالعزة والكرامة والإباء والشهامة التي تعزز صورة الإسلام والمسلمين وتساعد على رفع شأننا بين الأمم.