في أغسطس من عام 2025، أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي إشارة بدء مرحلة جديدة للإعلام المصري؛ إذ اجتمع برئيس الوزراء ورؤساء الهيئات الإعلامية، موجهًا بوضع خارطة طريق شاملة لتطوير الإعلام الوطني بالاستعانة بكافة الخبرات والكفاءات المتخصصة. كان الهدف واضحًا: مواكبة التغيرات المتسارعة عالميًا، وإتاحة البيانات والمعلومات فورًا – خاصة في أوقات الأزمات التي تمس الرأي العام – لتناول القضايا بعيدًا عن المغالاة أو التعتيم.

ولم تقف التوجيهات عند هذا الحد، بل شدد الرئيس على ضرورة الاعتماد على الكوادر الشابة المؤهلة، وتنظيم برامج تدريبية تركز على مفاهيم الأمن القومي، وتدعم مبدأ «الرأي والرأي الآخر». كما وجه الحكومة بفتح حوار إعلامي موضوعي يستهدف بناء الوعي في إطار من التفاهم والحرية. وبعد عام تقريبًا، ومنذ أيام، وجه الرئيس بالتنسيق بين الجهات الإعلامية والصحفية لعقد اجتماع سنوي في 3 ديسمبر من كل عام تحت رعايته؛ لمراجعة أوضاع الإعلام ومواجهة تحدياته بصورة مستمرة.

تكرار التوجيهات الرئاسية يؤكد أن قضية الإعلام والوعي تقع في قلب اهتمامات القيادة السياسية منذ سنوات، حيث أكد عليها في مناسبات لا تُحصى. غير أن المشكلة الحقيقية لم تكن يومًا في غياب الإرادة الرئاسية أو نقص التوجيهات، بل في “الميكانيكية الإدارية” التي تتفاعل مع هذه الدعوات.

ففي كل مرة يلمح فيها الرئيس إلى هذه القضية المحورية، تظهر اللجان، وتُعقد الجلسات، وتُصاغ المناقشات المطولة.. ثم تنتهي جميعها إلى “لا شيء”. ويظل الإعلام التقليدي أسير نغمة واحدة، يغرد منفردًا بعيدًا عن أحلام الناس وآلامها، محققًا نتيجة عكسية تمامًا لما تصبو إليه الدولة.

لقد أدت سيادة نمط “توحيد الرواية الإعلامية” وتهميش التعددية إلى عزوف واسع من الجمهور عن الإعلام المحلي، واضطراره للجوء إلى المنصات الرقمية والإعلام الخارجي بحثًا عن المعلومة الشفافة والرأي الآخر.

ولا ضير إطلاقًا – بل هو واجب وطني – أن يتناول الإعلام الرسمي والخاص الإنجازات والخطاب الداعم للدولة المصرية في معركة البناء. ولكن إذا لم يتطرق هذا الإعلام لمشاكل الناس اليومية وأزماتهم المباشرة (مثل ارتفاع الأسعار وانقطاع الخدمات وضغوط المعيشة)، فمن الطبيعي أن يتجه المواطن فورًا إلى شبكات التواصل الاجتماعي (مثل «تيك توك» و«فيسبوك») ليجد فيها البديل الوحيد للتعبير عن وجعه اليومي.

وهناك قاعدة إعلامية تقول: “عندما تُغلق منافذ الرأي الحر والرواية الشفافة، تُخلق الفراغات بشكل تلقائي.. والسوشيال ميديا تعشق الفراغ”.

ومن الغريب حقًا أن نرفع شعار المطالبة بـ”إعلام قوي ومؤثر يستعيد الشارع المصري” بينما يُمارس على أرض الواقع تضييق على الصحافة المستقلة والحزبية، وتستبعد الكوادر المهنية والناقدة التي تملك القدرة على بناء محتوى جذاب حقيقى ومؤثر!

إن مواجهة “فوضى السوشيال ميديا” والحد من تمدد الشائعات لن يتحققا أبدًا بفرض المزيد من المنع أو سن القوانين المقيدة أو إطلاق الكتائب الإلكترونية.

الحل الحقيقي والعملي يكمن في تطبيق جوهر ما وجه به الرئيس عبر خطوات جادة منها رفع اليد عن الإعلام التقليدي وإتاحة المساحة والحرية والتعددية الشديدة ليعود التلفزيون والصحافة لممارسة دورهما الطبيعي القائم على منطق الرأي والرأي الآخر.

ولا بديل عن الشفافية المطلقة وتداول المعلومات؛ فعندما تتاح المعلومة الرسمية الصحيحة والدقيقة فورًا وبكل شجاعة، تفقد الشائعة قيمتها وتأثيرها على منصات التواصل الاجتماعي.

كذلك علينا تمكين الكوادر المؤهلة والمهنية بعيدًا عن الولاءات الضيقة وإدارة حوار مجتمعي يتسع للجميع.

إن معركة الوعي لا تُدار بالصوت الواحد والجمهورية الجديدة تحتاج إلى إعلام يوازيها في القوة والاتساع. لقد حان الوقت لإدراك قاعدة ذهبية واحدة وهي: الإعلام الناجح والمؤثر هو الذي يمثل “صوت الناس لدى السلطة” وليس مجرد “صوت السلطة للناس”. وبدون استعادة ثقة المواطن ستظل كل خطط التطوير مجرد حبر على ورق.