ليس أخطر على المجتمع من فقدان الزواج لمعناه الحقيقي، حيث يتحول من ميثاق يقوم على المودة والرحمة والاختيار الحر، إلى صفقة تُقاس قيمتها بالأموال والمصالح. فعندما تُجبر فتاة على الارتباط بشخص لا ترغب فيه، أو تُستغل حاجتها وظروف أسرتها لتحقيق مكاسب مادية، فإن القضية تتجاوز الخلافات العائلية لتصبح انتهاكًا صريحًا لكرامة الإنسان وحقه الأصيل في تقرير مصيره.
في الوقت الذي تسير فيه الدولة بخطوات متسارعة لتعزيز حماية الأسرة وترسيخ حقوق أفرادها، تتجدد بعض الوقائع المؤلمة التي تكشف أن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة القانون. فلا تزال هناك ممارسات تسعى لاستغلال السلطة الأسرية أو الضغوط الاجتماعية والاقتصادية لفرض زيجات لا تستند إلى الرضا، وكأن إرادة الفتاة مجرد تفصيل يمكن تجاوزه.
لقد حسم القانون المصري هذه المسألة بوضوح؛ فالزواج ليس مجرد إجراء اجتماعي شكلي، ولا عقدًا يمكن إبرامه تحت الإكراه أو الضغط، بل هو علاقة إنسانية وقانونية لا تقوم إلا على القبول الكامل من الطرفين. لذلك جاءت التشريعات لتجريم كافة صور التحايل أو الإجبار أو استغلال الولاية الأسرية، ووضعت عقوبات رادعة لكل من يحاول الالتفاف على هذا المبدأ، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقاصرين أو بتزوير المستندات لإتمام زيجات مخالفة للقانون.
الواقعة الأخيرة التي كشفتها الأجهزة الأمنية بمحافظة الغربية بعد تداول مقطع فيديو لفتاة تتهم والدها بمحاولة إجبارها على الزواج مقابل مبالغ مالية لم تكن مجرد خبر عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، بل كانت بمثابة جرس إنذار يؤكد أن بعض الممارسات القديمة ما زالت تحاول إيجاد مكان لها داخل مجتمع يتغير. وقد أظهرت التحريات تعرض الفتاة للضرب لإجبارها على القبول، وإقرار والدها بالتفاوض مع وسطاء لإتمام الزواج مقابل المال، مما يعكس حجم الخطر عندما تتحول السلطة الأبوية من وسيلة للحماية إلى أداة للضغط.
ورغم قسوة هذه الوقائع، فإن سرعة تحرك الأجهزة الأمنية والتعامل مع البلاغات بجدية تعكس رسالة واضحة مفادها أن الدولة لم تعد تتسامح مع أي انتهاك يمس حرية الإنسان أو كرامته. كما أن القانون يقف إلى جانب الضحية مهما كانت طبيعة العلاقة التي تربطها بمن ارتكب الانتهاك.
لكن الحقيقة التي ينبغي التوقف عندها هي أن القوانين، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع وحدها اقتلاع جذور المشكلة. فهناك معركة أخرى لا تقل أهمية تدور داخل البيوت والمدارس ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، عنوانها نشر ثقافة احترام الإرادة الحرة وترسيخ قناعة بأن الزواج الناجح يبدأ بالموافقة الصادقة وليس بالإجبار أو الخوف أو الابتزاز.
من الثابت أن الأسرة التي تُبنى على الإكراه لا تصنع استقرارًا. والزواج الذي يبدأ بانكسار الإرادة لا يمكن أن يكون أساسًا لحياة كريمة. لذا فإن حماية الفتيات من أي صورة من صور الاستغلال ليست دفاعًا عن حق فردي فحسب، بل هي استثمار في استقرار المجتمع بأسره.
تبقى الرسالة الأهم أن الزواج لا يُقاس بما يُدفع من أموال، بل بما يتوافر فيه من احترام وثقة واختيار حر. فحين تُصان إرادة الفتاة تُصان الأسرة. وعندما يطبق القانون بحزم ويواكبه وعي مجتمعي حقيقي يصبح الزواج ميثاقًا إنسانيًا كما أراده الله والقانون وليس صفقة تُبرم على حساب الحقوق والكرامة.

