أكدت وزارة الأوقاف المصرية أن الثياب في الإسلام نعمة تجمع بين الستر والزينة وتكريم الإنسان، ولا تتعارض الملابس الصيفية مع هذه التعاليم ما دامت ملتزمة بضوابط الاعتدال.
الثياب في الإسلام نعمة تحقق الستر وتحفظ الكرامة
وقالت وزارة الأوقاف إن الله سبحانه وتعالى امتنَّ على الإنسان بنعمة الثياب، وجعلها من دلائل تكريمه له؛ إذ لم يقتصر دورها على وقاية الجسد من الحر والبرد، وإنما جعلها وسيلةً لحفظ الكرامة وصيانة العورة وإظهار الزينة المباحة. قال تعالى: ﴿یَٰبَنِیۤ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَیۡكُمۡ لِبَاسࣰا یُوَٰرِی سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِیشࣰاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَیۡرࣱۚ﴾ [الأعراف: ٢٦]، حيث بيَّنت الآية وظيفة الستر على الزينة؛ تلبيةً للمقصد الأول من الثياب وهو حفظ كرامة الإنسان. وتأتي الزينة تبعًا في إطار الاعتدال، ولم يقف القرآن الكريم عند اللباس الظاهر، بل وجَّه الأنظار إلى ما هو أعظم؛ وهو لباس التقوى؛ فصلاح الظاهر مرتبط بصلاح الباطن، وإذا عمر القلب بالتقوى انعكس ذلك على سلوك الإنسان وهيئته ليصبح لباسه معبرًا عن قيمةٍ لا مجرد مظهر خارجي. وحقيقة لباس التقوى: “أن يتقي العبد ربه جل جلاله؛ فيواري عورته”.
وذكرت الأوقاف أن القرآن الكريم يؤكد أن الثياب من تمام نعم الله على عباده قال سبحانه: ﴿وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِیلَ تَقِیكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِیلَ تَقِیكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ یُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَیۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١]، حيث إن النعم وسيلة تعين العبد على طاعة الله تعالى. وقد خُوطب العرب بما يَعْرفون، فتم الاكتفاء بذكر سَرابيل تقي الحر لأنها تقي البرد أيضًا. وفي شمول السرابيل لكل ما يقي الإنسان اتقاءً للأخطار والجو دلالة على مراعاة الشريعة لحاجاته الفطرية وربطها بمقاصدها الكبرى في حفظ النفس والكرامة.
ضوابط الثياب المحتشم للرجال والنساء في الإسلام
وأضافت: لم يضع الإسلام للناس لونًا معينًا للملبس أو هيئةً واحدةً له، وإنما قرر ضوابط عامة تحقق مقصود الستر وتراعي اختلاف الأعراف والبيئات ما دامت لا تخالف نصًّا شرعيًّا أو قيمةً أخلاقية. ولذلك فالأصل في الثياب الإباحة، غير أن هذه الإباحة مقيدة بما يحفظ كرامة الإنسان ويصون المجتمع مما يخل بالحياء العام. ومن هنا صارت المقاصد التابعة خادمة للمقاصد الأصلية؛ فالله لم يكلف العباد بالواجبات مع حرمانهم من حظوظهم الفطرية بل امتن عليهم بجعل هذه الحظوظ والوسائل مباحة للاستعانة بها على عمارة الدنيا للآخرة وضبطها بقوانين شرعية هي أبلغ في تحقيق المصلحة وأدوم لها مما يظنه العبد مصلحة لنفسه.
ومن أهم هذه الضوابط: أن يكون الثوب ساترًا للعورة وغير شفاف يُظهر لون البشرة ولا ضيقًا يصف تفاصيل الجسد وصفًا يخل بمقصود الستر؛ لأن المقصود من الثوب هو تحقيق الستر حقيقةً لا صورةً. وقد نص الإمام ابن قدامة على أن الستر الواجب هو ما يمنع ظهور البشرة فقال: “فإن كان الثوب يصف البشرة لم تصح الصلاة فيه؛ لأن الستر لا يحصل به”.
كما نهى سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم عن الثياب التي تفرغ الستر من مضمونه؛ فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صِنْفَانِ من أهل النار لم أرهما بعد… نساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها» [رواه مسلم]. وقد بيَّن الإمام النووي أن المراد بـ “كاسيات عاريات” هن من يلبسن ثيابًا رقاقًا تصف ما تحتها أو ثيابًا ضيقة أو قصيرة لا تحقق مقصود الستر.
ومن الضوابط كذلك ألا تكون الثياب وسيلةً للتشبه المذموم أو التفاخر وطلب الشهرة؛ لأن الإسلام يدعو إلى الاعتدال في المظهر كما يدعو إلى الاعتدال في السلوك؛ فعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لبس ثوب شهرةٍ في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة ثم ألهب فيه نارًا» [رواه ابن ماجه].
الملابس الصيفية بين التيسير المشروع وحفظ العورة
وأوضحت الأوقاف: جاءت الشريعة الإسلامية مراعية لأحوال الناس وظروفهم فلم تمنع الإنسان من التخفف من الملابس بما يناسب طبيعة الزمان والمكان ولا سيما في فصل الصيف الذي تشتد فيه درجات الحرارة، وإنما وضعت لذلك ضوابط تحفظ التوازن بين التيسير المشروع وصيانة العورات وحفظ الآداب العامة.
وأكدت أن الإسلام دين يراعي طبيعة الإنسان وحاجاته وقد امتنَّ الله تعالى على عباده بما جعل لهم من أسباب الوقاية من الحر والبرد فقال سبحانه: ﴿وَجَعَلَ لَكُم سَرابيل تَقِيكمُ ٱلحر﴾ [النحل: ٨١]، ومن هنا فإن ارتداء الملابس الصيفية الخفيفة لا حرج فيه ما دامت محققة لمقصود الستر فلا تكون شفافة تظهر البشرة ولا ضيقة تصف الجسد.
ومع هذا التيسير ينبغي التنبه لعدم التوسع في التخفف أمام من لا يحل له الاطلاع على العورة أو في الأماكن العامة ومواضع السباحة المشتركة؛ فمراعاة الحر لا ترفع أحكام الستر والشريعة لبّت الحاجة دون أن تهدر الحياء. فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحَياء شعبةٌ مِن الإيمان» [متفق عليه]، فالاحتشام سلوك يعكس وعي الإنسان وقد أمر الشرع بستر العورة عن الأعين أدبًا وحفظًا للأعراض ولهذا وجه سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا انكشفت فخذه فقال له: «غطِّ فخِذكَ فإن الفخذ عورة» [رواه الترمذي]. وقد استدل العلماء بهذا الحديث على أهمية مراعاة الستر والحياء في المجامع العامة.
متى يصبح اللباس غير ساتر؟
وقالت الوزارة إن معيار اللباس في الإسلام هو مدى تحقيقه للستر وصيانة الكرامة؛ لذا قد يتحول اللباس إلى كاشف للعورة إذا فقد ضوابطه الشرعية ومن أهمها:.
- أن يكون الثوب شفافًا يظهر لون البشرة لأن حقيقة الستر منع الرؤية لا مجرد وضع شيء على البدن.
- أن يكون الثوب ضيقًا يحدد تفاصيل الجسد وحجم الأعضاء لأن الشريعة راعت جانب الحياء ومنعت ما يلفت الأنظار ويخل بالآداب العامة.
الاحتشام والأناقة.. كيف يجمع الإسلام بينهما؟
وأشارت إلى أنه ليس بين الاحتشام والأناقة تعارض بل إن الإسلام دعا إلى حسن الهيئة ونظافة المظهر وجعل الجمال المنضبط من الأمور المحمودة التي يحب الله أن تظهر على عباده من غير إسراف ولا خيلاء. فعن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الله جميلٌ يحبُّ الجمال» [رواه مسلم]. فالجمال الذي يحبه الإسلام هو الجمال المنضبط بالأخلاق الجامع بين حسن المظهر ونقاء المخبر دون مبالغة أو تجاوز لحدود الشرع.
المسلم مأمور بأن يظهر بصورة حسنة وأن يعتني بنظافته وملبسه ولكن في إطار من الاعتدال بعيدًا عن الإسراف أو الكبر أو طلب الشهرة قال تعالى: ﴿یَبَنِي آدَم خذوا زینتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنّه لا يحب المسرفين﴾ [الأعراف: ٣١].
والأناقة الحقيقية ليست في كشف ما ينبغي ستره وإنما في التوفيق بين جمال المظهر وسلامة السلوك ليكون الثوب معبرًا عن شخصية متزنة تحترم نفسها ومجتمعها فالاحتشام إطار أخلاقي يجعل الجمال أكثر اتزانًا ويؤكد أن الإنسان يقاس بحسن هيئته وخلقه معاً.
مسؤولية الأسرة والمجتمع في ترسيخ ثقافة الستر
وأكدت الوزارة أن ترسيخ قيمة الستر والحياء مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمجتمع فالأسرة هي اللبنة الأولى التي يتعلم فيها الأبناء معاني الحياء عبر القدوة والتوجيه امتثالاً لتوجيه حضرة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم. فعن عبد الله بن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتهِ…» [رواه البخاري].
وقد ربط القرآن الكريم بين الستر ومواجهة إفساد الفطرة بقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَم لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليُريهما سوءاتهما﴾ [الأعراف: ٢٧]، فالآية تدل على أن حفظ الستر من مقتضيات الفطرة السليمة وأن صيانة الإنسان لخصوصيته وكرامته هي المعاني التي جاءت الشرائع بتقريرها. كما تقع على المجتمع مسؤولية تعزيز ثقافة الوعي بخطاب يقوم على الحكمة والرحمة ويقدم أحكام الإسلام باعتبارها وسائل لحفظ الإنسان لا التضييق عليه. فلا يعني ذلك فرض نمط واحد في اللباس أو تجاهل اختلاف البيئات والثقافات بل المقصود هو الحفاظ على القيم الأساسية التي تحقق الاحترام المتبادل وتمنع تحول الحرية الشخصية إلى اعتداء على الذوق العام أو خروج عن مقتضيات الحياء.

