فى سنوات الجامعة بالإسكندرية، أحب صديقى زميلة جميلة كانت إذا مرت فى الممر، تبدل ضوء المكان، ويضطرب قلبه قبل أن تلتقى عيناه بعينيها. لكن طريق العلم حمله إلى الخارج، فطالت الدراسة واستبدت الغربة، بينما ظلت صورتها فى ذاكرته كما تركها: شابة عند باب المدرج، تضم كتبها إلى صدرها وتبتسم. وحين عاد إلى الوطن مثقلاً بالشهادات والحنين، اكتشف أن الحبيبة لم تنتظره، وأنها تزوجت وصار لها بيت وحياة وأولاد.
قلت محاولاً مواساته، إن قصته تذكرنى بأوديسيوس، بطل ملحمة هوميروس، وأن أوجه الشبه بينهما مدهشة، باستثناء الفروق البسيطة جداً: أوديسيوس غاب عشرين عاماً، وظلت بينيلوبى تنتظره وترد الخطاب وتحرس البيت حتى عاد إليها؛ أما «بينيلوبى المصرية» فلم تنتظره ورأت بحس عملى جدير بالاحترام أن تتزوج قبل أن يعود صاحبنا من بعثته! ظل صامتاً لحظة ثم أدرك غياب أى وجه للمقارنة فانفجر ضاحكاً. ومن ضحكته دخلنا إلى عالم «الأوديسة».
بعد نحو ثلاثة آلاف عام على إنشادها، تعود ملحمة هوميروس إلى الأضواء من خلال معالجة سينمائية جديدة للمخرج كريستوفر نولان. لكنها، فى الحقيقة، لم تغب قط؛ فما زالت أمواجها تضرب شواطئ الأدب والفن، وما زال أوديسيوس يجدف داخل كل إنسان أضاع طريقه أو عاد إلى وطنه فاكتشف أن الوطن تغير وأنه هو نفسه لم يعد الشخص الذى غادره.
تبدأ الحكاية بعد سقوط طروادة. انتهت حرب دامت عشر سنوات لكن البحر أمسك بأوديسيوس عشراً أخرى. واجه العملاق الأعور والساحرة التى حولت رفاقه إلى خنازير وأصغى إلى غناء الحوريات موثوقاً إلى صارى السفينة ثم هبط إلى عالم الموتى. ومع ذلك ليست «الأوديسة» معرضاً للوحوش والعجائب بل سؤال طويل عن معنى البيت. فالعودة ليست مجرد تطأ القدم اليابسة وإنما استعادة الاسم والأسرة والمكانة فى العالم.
وحين يصل أوديسيوس إلى إيثاكا يدخل قصره بهيئة متسول كأن الطريق قشر عنه ألقابه: زوج بلا زوجة وأب بلا ابن وملك بلا مملكة. وهو ليس بطلاً نقياً؛ إنه شجاع وماكر وكذاب ومفتون بمجده. ينجو من العملاق حين يسمى نفسه «لا أحد» ثم يكاد يهلك حين يعلن اسمه تفاخراً.
أما بينيلوبى فتخوض أوديستها داخل البيت؛ تنقض ليلاً ما نسجته نهاراً وتخدع الخُطَّاب وتحمي المملكة. وعندما يعود زوجها تمتحنه بسرير صنع من جذع زيتونة ضاربة الجذور: سرير لا ينقل كأنه الوطن نفسه.
وفى تراثنا تذكرنا الملحمة برحلات السندباد وعبور عالم الموتى فى «رسالة الغفران» وبالجزيرة فى «حي بن يقظان»؛ وهى موازيات إنسانية لا أدلة اقتباس؛ فالوحوش تتبدل لكن السؤال يظل قائماً: إذا عدنا إلى الوطن بعد غياب طويل فهل سيعرفنا أحبتنا كما كنا؟ والأصعب من ذلك: هل سنعرف نحن أنفسنا بعد أن غيرتنا الغربة؟

