يعيش آلاف المرضى الذين يعانون من الأمراض النادرة رحلة طويلة من الألم والصمت، حيث يخوضون جهودًا مضنية للبحث عن تشخيص قد يستغرق سنوات. يواجه هؤلاء المرضى وعائلاتهم تحديات طبية ومالية تبدأ من صعوبة اكتشاف المرض، ولا تنتهي بتوفير العلاج.

على الرغم من قلة عدد المصابين بكل مرض على حدة، إلا أن الأمراض النادرة تمثل أزمة صحية تتطلب استجابة استثنائية، خاصة مع ارتفاع تكلفة التشخيص والعلاج التي تصل في بعض الحالات إلى ملايين الدولارات للمريض الواحد.

في الآونة الأخيرة، بدأت وزارة الصحة تسليط الضوء على ملف الأمراض النادرة ووضع استراتيجية وطنية لمواجهتها، تعتمد على تكاتف مؤسسات الدولة والمجتمع المدني. وقد أعلنت الوزارة سابقًا عن توفير العلاج لهؤلاء المرضى، إلا أنه لا توجد نتائج واضحة أو بيانات حول أعداد المرضى الذين تلقوا العلاج أو الأدوية المتاحة لهم.

750 ألف حالة: عدد المصابين بأمراض نادرة في مصر

تشير بعض التقديرات إلى أن عدد المصابين بالأمراض النادرة في مصر قد يصل إلى 750 ألف حالة، لكن هذا الرقم يظل غير مؤكد بسبب غياب قاعدة بيانات رسمية لهؤلاء المرضى.

تستعرض “فيتو” أبرز التحديات التي تواجه أصحاب الأمراض النادرة، وأهم هذه الأمراض وكيف يتعرض المرضى للمعاناة نتيجة ضعف استثمار شركات الأدوية في البحث العلمي لتطوير علاجات لها، بالإضافة إلى غياب الوعي بأعراضها وصعوبة تشخيصها.

من أبرز الأمراض النادرة: ضمور العضلات بمختلف أنواعه، ومتلازمة داون، ومتلازمة تيرنر، والثلاسيميا، وفرط كوليسترول الدم، والتليف الكيسي، والهيموفيليا، ومتلازمة مارفان، وداء ويلسون ومرض جوشر.

تقول الدكتورة ماجدة رخا، استشاري أمراض الدم ومؤسس جمعية أصدقاء مرضى النزف: “تمثل الأمراض النادرة تحديًا كبيرًا للمرضى وأسرهم ليس فقط بسبب طبيعة المرض ولكن أيضًا نتيجة صعوبة التشخيص وارتفاع تكلفة العلاج وقلة عدد المتخصصين القادرين على اكتشاف هذه الأمراض في مراحلها المبكرة”.

التشخيص المتأخر: أبرز المشكلات

أوضحت لـ “فيتو” أن التشخيص المتأخر يعد من أبرز المشكلات التي تواجه مرضى الأمراض النادرة. إذ تتشابه أعراض العديد من هذه الأمراض مع أمراض أخرى مما يؤدي إلى تأخر اكتشافها حتى تتفاقم الحالة الصحية للمريض. أكدت أن التشخيص المبكر والدقيق يسهم في تحسين فرص العلاج ويرفع جودة حياة المريض ويحد من المضاعفات.

وأضافت أن أمراضًا مثل الهيموفيليا والثلاسيميا تعتمد على فحوصات وتحاليل دقيقة تُجرى في معامل متخصصة. ما يضطر المرضى في العديد من المحافظات للسفر لإجرائها مما يمثل عبئًا صحيًا وماديًا عليهم وعائلاتهم بالإضافة إلى طول فترات الانتظار للحصول على المواعيد.

وأشارت إلى أن علاجات الأمراض النادرة تُعد من الأعلى تكلفة. كما أن محدودية أعداد المرضى لا تمثل حافزًا اقتصاديًا كافيًا لشركات الأدوية للاستثمار في إنتاجها. فضلًا عن أن تصنيعها يتطلب تقنيات متقدمة وتكاليف مرتفعة مما ينعكس على أسعار الأدوية وصعوبة توفيرها.

مخصصات وزارة الصحة لا تكفي

أكدت أن معظم الأسر لا تستطيع تحمل النفقات الباهظة للعلاج وأن مخصصات وزارة الصحة لا تكفي لتغطية احتياجات جميع مرضى الأمراض النادرة.

وأوضحت أن هناك أمراضًا نادرة مثل الثلاسيميا والهيموفيليا والتصلب المتعدد وضمور العضلات تحتاج إلى برامج توعية مستمرة تستهدف المواطنين والأطقم الطبية بما يسهم في التعرف على أعراضها مبكرًا.

وأضافت أن عدد الأطباء المتخصصين القادرين على تشخيص الأمراض النادرة لا يزال محدودًا مما يستدعي تنظيم برامج تدريبية مستمرة للأطباء وأطقم التمريض لرفع كفاءتهم في اكتشاف العلامات المبكرة لهذه الأمراض وتحديث بروتوكولات التشخيص والعلاج بشكل دوري.

ودعت إلى تنظيم قوافل طبية متخصصة تجوب مختلف المحافظات لإجراء الفحوصات الأولية والكشف المبكر عن الأمراض النادرة خاصةً في المناطق النائية. مؤكدةً أن ضعف الوعي بأعراض هذه الأمراض يؤدي إلى زيادة معدلات التأخر في التشخيص وتدهور الحالة الصحية للمرضى.

أكدت الدكتورة ماجدة رخا أن مصر تحتاج إلى إنشاء قاعدة بيانات قومية متكاملة لمرضى الأمراض النادرة تضم جميع البيانات الخاصة بكل مريض ونوع المرض ودرجة شدته والعلاج الذي يتلقاه بالإضافة إلى إصدار بطاقة تعريفية أو «كارنيه» لكل مريض توضح حالته الصحية بما يسهل حصوله على الخدمات الطبية والعلاجية.

وأضافت أن بعض الأمراض النادرة يتوافر لها علاج يساعد على السيطرة عليها والحد من مضاعفاتها مثل الهيموفيليا إلا أن توفير العلاج بالكميات المطلوبة لا يزال يمثل تحديًا. مشيرةً إلى أنه نحو نصف مرضى الهيموفيليا في مصر يحصلون على العلاج عبر منظومة التأمين الصحي بينما يواجه الآخرون صعوبات في الحصول عليه بانتظام.

وأوضحت ماجدة رخا أنه توجد أمراض نادرة أخرى لا يتوافر لها علاج شافٍ حتى الآن ويقتصر التعامل معها على علاج الأعراض والحد من المضاعفات وتحسين جودة حياة المريض.

وأكدت ضرورة زيادة الموارد المخصصة لملف الأمراض النادرة والتوسع في الخدمات التشخيصية والعلاجية بما يضمن حصول المرضى على العلاج المناسب. كما شددت على أهمية استغلال منصات التواصل الاجتماعي لنشر الوعي بالأمراض الن rare وتعريف المواطنين بأعراضها وأهمية التشخيص المبكر.

تأسيس صندوق متخصص لدعم المرضى

أكد محمود فؤاد، مدير المركز المصري للحق في الدواء، أن ملف الأمراض الن rare يحتاج إلى رؤية تنفيذية واضحة تبدأ بتأسيس صندوق متخصص لدعم المرضى بما يضمن توفير العلاج والخدمات الطبية اللازمة لهم.

وأوضح أن أهم خطوات التعامل مع هذه الحالات تشمل التوسع في برامج الكشف المبكر وإنشاء سجل وطني شامل يضم بيانات المرضى. وأكد أيضًا أن كثيرًا من المرضى يفتقدون الحماية الكافية أو ضمانات حقيقية تضمن حصولهم على العلاج.

ضرب محمود فؤاد مثالاً بمرضى ضمور العضلات الذين تطلق أسرهم حملات تبرعات شبه يومية لتوفير تكلفة الحقن والعلاجات مرتفعة الثمن موضحاً أن وزارة الصحة كانت قد افتتحت مركزين لتسجيل المرضى وإجراء الفحوصات وتقديم العلاج إلا أنه توقف منذ عامين نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار الأدوية مما دفع الأسر لجمع التبرعات مجددًا.

Additionally, he stated that the announcement of initiatives for rare diseases is insufficient in light of the lack of actual available treatment, emphasizing that patients need realistic steps that go beyond media statements to tangible implementation if there is genuine intent to provide treatment.

نقلا عن العدد الورقي