عندما يكتب القلم بحبر الألم، تتراجع الأرقام إلى الخلف، بينما تتقدم المآسي بوجوه أصحابها وأصواتهم المبتورة تحت ركام آلة القتل، ليصبح المدنيون أول شهود المأساة وآخر ضحاياها.
أطفال يتساقطون حاملين أحلامهم الصغيرة قبل أن ترى النور، وجرحى تطاردهم الشظايا في الطرقات والمنازل وبين الأنقاض، وأمهات لا تفارق ذاكرتهن لحظة المأساة، وكأن عقارب الزمن توقفت عند مشهد الفقد.
بهذه الكلمات تروي الأم الفلسطينية علياء عبد المجيد الحلاق، البالغة من العمر 33 عامًا، والتي تنحدر من قرية الريحية جنوب مدينة الخليل في الضفة الغربية المحتلة، مأساة فقدان ابنها محمد ذو التسع سنوات برصاص الاحتلال، على صفحات جريدة “ذا جارديان” البريطانية.
تقول علياء: “أنا أم لخمسة أطفال، ابنتي الكبرى تبلغ 14 عامًا، بينما ابني الأصغر إلياس خمس سنوات؛ وبينهما كان ابني الحبيب محمد. لطالما أدركتُ أن الحياة في ظل الاحتلال قائمة على العنف والإذلال والخوف؛ وهي حقيقة لا تحتاج أي أم فلسطينية لمن يعلمها إياها. ومع ذلك، حاولت حماية أطفالي. كنت أقول لنفسي إن الفقر الذي نعيشه هو أشد المحن التي علينا تحملها، وإن الصبر سيعيننا على تجاوزها، وإن أطفالنا – رغم كل شيء – يمكنهم أن ينشأوا سعداء.”.
ترقب دائم للفقد
تضيف الأم الفلسطينية: “في 16 أكتوبر 2025، وهو اليوم الذي قُتل فيه جيش الاحتلال الإسرائيلي محمد، سُلب مني حتى ذلك الاعتقاد الهش. لقد أدركت حينها أن الاحتلال لا يسلب الأرض أو الحرية أو الكرامة فحسب، بل ينتزع شيئًا أكثر جوهرية؛ إنه يحوّل كل أم فلسطينية إلى إنسانة تعيش في حالة ترقب دائم للفقد.”.
تحمل كل أم فلسطينية ذكرى تلك اللحظة التي تغيرت بعدها الحياة تمامًا. تقول علياء: “لا أنسى ذلك اليوم الذي عاد فيه محمد من المدرسة وهو يشعر ببهجة غامرة بسبب حقيبة مدرسية جديدة حصل عليها من منظمة اليونيسف. ملأت سعادته أرجاء منزلنا وشاركه إخوته الفرحة. أتذكر أنني أدركت في ذلك اليوم كيف يمكن لشيء بسيط – مثل حقيبة مدرسية جديدة – أن يملأ قلب الطفل بالفرح. كان محمد يحب كرة القدم وسألني إن كان بإمكانه الذهاب للعب مع أصدقائه في ملعب المدرسة القريب؛ فوافقت. كانت تلك آخر مرة أراه فيها حيًا.”.
وتتابع: “في وقت لاحق ذهبت إلى المتجر برفقة والدي وبقية أطفالي. رن هاتف والدي فتناولته دون تفكير؛ إذ كانت غريزة الأمومة تخبرني بأن المكالمة موجهة لي. سأل الرجل المتصل عن محمد وما إن أدرك أنني والدته حتى أغلق الخط. حينها أيقنت أن مكروهًا قد وقع. وبعد دقائق معدودة شاهدت مقطع فيديو على تطبيق واتساب يظهر فيه شبان يحملون محمد بينما كانت الدماء تنزف بغزارة من جسده وقد تحول لون زيه المدرسي الأزرق إلى الأحمر. حينها انهرت تمامًا.”.
إطلاق النار من مسافة 100 متر
ماذا حدث وكيف استشهد؟ تقول علياء: “أخبرني شهود عيان لاحقًا بما حدث؛ فقد دخل جنود إسرائيليون إلى القرية وعندما اقتربوا من ملعب المدرسة بدأوا بإطلاق الغاز المسيل للدموع. فرّ محمد وأصدقاؤه لكنه توقف على بعد حوالي 100 متر ووقف واضعًا ذراعيه أمام صدره. حينها أطلق أحد الجنود النار فأصابه في منطقة الحوض.”.
وتقول علياء: “لم يرتكب أي ذنب. ما زلت عاجزة عن فهم سبب إقدام ذلك الجندي على إطلاق النار؛ بحثت لأشهر عن تفسير لكنني لم أعد أؤمن بوجود تفسير لاستهداف طفل في التاسعة. وما تبقى هو سؤال لا يمكنني الهروب منه: كيف يعقل أن تضطر أم يومًا ما للتساؤل عن سبب إطلاق جندي النار على طفلها البالغ من العمر تسع سنوات؟”.
قائمة طويلة في انتظار الموت
تضيف علياء: “في البداية تظنين أن مأساتك فريدة ولا تشبه غيرها ثم تكتشفين أن عائلتك أصبحت جزءًا من قائمة تتزايد باستمرار؛ قائمة تضم المزيد من الأمهات الفلسطينيات تحمل كل واحدة منهن ذكرى تلك اللحظة التي تغيرت بعدها الحياة تمامًا. وفي حالتي اتسعت القائمة لتشمل 54 عائلة فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة قُتل أطفالها على يد إسرائيل في عام 2025 وحده.”.
وتتابع: “عندما يقع الأمر مرة واحدة يمكن وصفه بالمأساة أما عندما يتكرر باستمرار فلا بد أن نتساءل عما يسمح باستمراره. كيف يعقل أن يقتل هذا العدد الكبير من الأطفال الفلسطينيين دون أن يحاسب أحد؟ لم توجه لائحة اتهام واحدة لأي جندي بشأن مقتل ابني الذي خرج ليلعب كرة القدم. واليوم أصبحت أفهم الاحتلال بمنظور مختلف؛ صحيح أن هناك جنديا ضغط على الزناد وقتل محمد لكن هناك أيضًا نظام يحمي المسؤولين ويخفي الحقيقة ونادرًا ما يحاسب أحدا وهناك أيضًا عالم يلتزم الصمت.”.
صراع من أجل البقاء
تقول علياء: “منذ أكتوبر 2023 لم يفعل العالم شيئًا لمنع إسرائيل من قتل أكثر من 21 ألفا و500 طفل ومراهق فلسطيني في غزة كما وقف العالم متفرجًا بينما قتلت إسرائيل 248 قاصرًا فلسطينيًا في الضفة الغربية المحتلة خلال الفترة نفسها. لم يمنع العالم إسرائيل من قتل ابني ولم يضمن محاسبتها على أفعالها.”.
وتضيف:”منذ مقتل محمد تغيرت حياتنا تمامًا؛ فقد بات كل يوم صراعًا من أجل البقاء فقد فقد زوجي عمله وهو يعاني من آثار الصدمة النفسية أما أنا فأعيش متنقلة بين قبر ابني وصورته وحقيبته المدرسية الجديدة التي لا تزال معلقة على جدار غرفته. لقد تداخل الفقر والجوع مع مشاعر الحزن والألم التي تكاد لا تطاق.”.
وتتابع:”في كل يوم أحاول إخفاء دموعي عن أطفالي وأحاول كتمان الخوف الذي يسكنني الآن وفقدان الشعور بالأمان وتلك الأسئلة التي لا تنتهي ولا تجد لها إجابة.”.
عندما يتحول أطفال فلسطين إلى رقم عابر
تقول علياء:”أكتب هذه الكلمات لأنني أرفض أن يتحول محمد إلى مجرد رقم آخر وأريد من الناس أن يتذكروا أنه كان صبيا في الصف الرابع وأنه أحب كرة القدم وأنه كان يحب اصطياد الطيور ثم يطلق سراحها.”.
وتضيف: “حلم محمد بأن يصبح طبيبًا وأن يُنادى يومًا ما بلقب ‘الدكتور محمد’ وأنه عاد إلى المنزل يغمره الفرح بحقيبة مدرسية جديدة ثم خرج ليلعب كرة القدم لكنه لم يعد أبدا.”.
وتنهي علياء قصتها قائلة: “مع هذه الخسارة الفادحة لمحمد فقدت أيضًا إيماني بأن الطفولة – بحد ذاتها – توفر الحماية لقد أنهت رصاصة واحدة أحلامه وتركت وراءها أما تسأل نفسها كل يوم كم طفلا آخر يجب أن يموت قبل أن يدرك العالم أن الأطفال الفلسطينيين يستحقون الحياة كأي طفل آخر؟”.

