في ظل التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة، لم يعد نجاح الدول يقاس فقط بحجم ثرواتها الطبيعية أو إمكاناتها المالية، بل أصبح مرهونًا بقدرتها على بناء مؤسسات قوية تتمتع بالكفاءة والمرونة والقدرة على اتخاذ القرار السريع، مما يمكنها من إدارة الموارد بكفاءة، وجذب الاستثمارات، وتحقيق التنمية المستدامة.
تسعى الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة إلى تنفيذ إصلاحات هيكلية ومؤسسية تهدف إلى تعزيز كفاءة الأداء الحكومي، وتطوير أدوات إدارة المشروعات القومية، وتهيئة بيئة استثمارية أكثر تنافسية تتماشى مع المتغيرات الاقتصادية الإقليمية والدولية.
ويأتي استقلال جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة في إطار هذا التوجه، كخطوة تعكس رؤية استراتيجية تستهدف تطوير المؤسسات الاقتصادية وتعزيز قدرتها على تنفيذ المشروعات الكبرى وفق أحدث معايير الحوكمة والإدارة الرشيدة، مما يسهم في تحقيق مستهدفات الدولة في مجالات الأمن الغذائي وزيادة الإنتاج وتعميق التصنيع المحلي وجذب المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية.
نجاح الدول في القرن الحادي والعشرين:.
أكد الدكتور أحمد حلمي، أستاذ الاقتصاد السياسي، أن نجاح الدول في القرن الحادي والعشرين لم يعد يقاس بحجم ما تمتلكه من موارد طبيعية أو مالية، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات قوية تتسم بالكفاءة والمرونة وسرعة الاستجابة للمتغيرات الاقتصادية. وأشار إلى أن المؤسسات القادرة على إدارة الموارد بكفاءة أصبحت تمثل رأس المال الحقيقي للدول وأحد أهم عوامل جذب الاستثمارات وتحقيق التنمية المستدامة.
وأوضح حلمي أن استقلال جهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة” يمثل تحولًا مؤسسيًا يعكس رؤية الدولة المصرية للانتقال من إدارة التنمية إلى صناعتها ومن تنفيذ المشروعات إلى بناء نموذج اقتصادي أكثر كفاءة وتنافسية. مؤكدًا أن هذه الخطوة لا تقتصر على إعادة هيكلة إدارية بل تعكس توجهًا استراتيجيًا نحو تحديث المؤسسات الاقتصادية وتعزيز قدرتها على تنفيذ المشروعات الكبرى بكفاءة أعلى.
وأضاف أن استقلال الجهاز يبعث برسالة طمأنة وثقة إلى المستثمرين في الداخل والخارج مفادها أن الدولة المصرية ماضية في تطوير مؤسساتها الاقتصادية وفق معايير الحوكمة والشفافية والكفاءة مما يعزز قدرتها على المنافسة في ظل التنافس العالمي على جذب رؤوس الأموال وسلاسل الإنتاج والتكنولوجيا.
جهاز مستقبل مصر:.
وأشار إلى أن جهاز مستقبل مصر أصبح أحد أهم الكيانات التنفيذية الداعمة للاقتصاد الوطني لما يقوم به من دور محوري في تسريع تنفيذ المشروعات القومية وتعزيز الأمن الغذائي وتعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية ودعم التنمية الاقتصادية، فضلًا عن دوره في فتح آفاق جديدة أمام الاستثمارات المحلية والأجنبية.
وأوضح أن الجهاز توسع في أداء مهامه ليصبح ذراعًا تنفيذية تتكامل مع مؤسسات الدولة في مجالات الزراعة والصناعة والخدمات اللوجستية والتجارة بما يسهم في زيادة الإنتاج وتحقيق الاستقرار في الأسواق ورفع القدرة التنافسية للاقتصاد المصري. كما أنه يشرف على مشروعات كبرى لاستصلاح الأراضي الزراعية وإنشاء مجمعات صناعية وتطوير سلاسل الإمداد والبنية اللوجستية.
وأكد حلمي أن المؤشرات الاقتصادية تعكس حجم الدور الذي يؤديه الجهاز، إذ يقود تنفيذ مشروعات تستهدف استصلاح نحو 4.5 مليون فدان بما يرفع الرقعة الزراعية المصرية إلى نحو 13.5 مليون فدان بالإضافة إلى إدارة منظومة متكاملة للتصنيع الغذائي والتخزين والخدمات اللوجستية فيما يقترب حجم أعمال الشركات التابعة له من 100 مليار جنيه سنويًا في قطاعات الإنتاج والمقاولات والنقل والطاقة والخدمات.
خفض فاتورة الواردات الغذائية:.
وأضاف أن هذه المنظومة من المتوقع أن تسهم في خفض فاتورة الواردات الغذائية وتعزيز الصادرات وزيادة القيمة المضافة للاقتصاد الوطني. مشيرًا إلى أن استقلال الجهاز سيمنحه مرونة أكبر في إبرام الشراكات الاستثمارية وتسريع تنفيذ المشروعات وتعميق التصنيع المحلي.
وأشار إلى أن الجهاز يمتلك مقومات تؤهله ليصبح منصة وطنية جاذبة للاستثمار خاصةً في ظل مستهدفات الدولة برفع حجم الاستثمارات الكلية وزيادة مساهمة القطاع الخاص وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة موضحًا أن توفير الأراضي المجهزة وسلاسل الإنتاج المتكاملة والبنية اللوجستية الحديثة وسرعة اتخاذ القرار تعد من أهم العوامل التي تسهم في خفض تكلفة الاستثمار وتسريع تنفيذ المشروعات.
وأكد أن استقلال جهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة” يمثل إصلاحًا مؤسسيًا يعزز كفاءة الدولة الاقتصادية ويرفع قدرتها على إدارة المشروعات القومية ويدعم بناء شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص بما يسهم في توطين التكنولوجيا وزيادة الإنتاج وتوفير فرص العمل وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للإنتاج والاستثمار فضلًا عن دعم أهداف التنمية المستدامة وتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

