يتفق خبيران اقتصاديان تحدثا لـ”مصراوي” على أنه لا توجد أداة استثمارية تناسب جميع المستثمرين، وأن الاختيار يجب أن يرتبط بطبيعة كل شخص وأهدافه وقدرته على تحمل المخاطر.
كما يتفقان على أهمية تنويع المدخرات وعدم توجيهها إلى وعاء استثماري واحد، إلا أنهما يختلفان في تفسير العوامل التي تؤثر على حركة الذهب؛ إذ يركز رأي على تأثير المتغيرات العالمية وصناديق الاستثمار في تسعير المعدن الأصفر، بينما يركز رأي آخر على سلوك المستثمر المحلي وخصائص كل وعاء استثماري.
ويرى الخبيران أن البورصة لا تزال تمتلك فرصًا للنمو، وأن الذهب يُعتبر استثمارًا طويل الأجل وليس أداة للمضاربة السريعة.
يأتي ذلك في وقت تتغير فيه اتجاهات الأسواق المحلية والعالمية بوتيرة متسارعة، إذ يجد المصريون أنفسهم أمام خيارات استثمارية متعددة تتراوح بين الشهادات البنكية والعقارات والذهب والبورصة، في محاولة للحفاظ على قيمة مدخراتهم وتحقيق عائد مناسب.
بينما لا تزال العقارات والذهب يحظيان بثقة قطاع واسع من المستثمرين، تواصل البورصة جذب اهتمام شريحة متزايدة مع تسجيلها مستويات قياسية، في حين تظل الشهادات البنكية الخيار الأكثر تفضيلًا للباحثين عن دخل ثابت ومخاطر محدودة.
الاستثمار يختلف من شخص لآخر
يقول الدكتور خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، إن اختيار الوعاء الاستثماري الأنسب يختلف من شخص لآخر وفقًا لاحتياجاته المالية وقدرته على تحمل المخاطر.
يوضح لـ”مصراوي” أن بعض المستثمرين يفضلون الشهادات البنكية للحصول على دخل دوري، بينما يتجه آخرون إلى العقارات أو الذهب أو البورصة باعتبارها أدوات استثمار تتوافق مع أهدافهم طويلة الأجل.
ويضيف الشافعي أن تنويع الاستثمارات يعد خيارًا مناسبًا لمن يمتلك القدرة المالية والخبرة الكافية لإدارة أكثر من وعاء استثماري.
يشير إلى أن لكل سوق شريحة من المستثمرين المعتادين عليه، وقد تشهد تلك الأسواق بعض التذبذبات نتيجة التطورات الجيوسياسية، إلا أن ذلك لا يؤدي بالضرورة إلى انتقال جماعي للمستثمرين بين الأوعية المختلفة.
لماذا يتحرك الذهب صعودًا وهبوطًا؟
هبوط الذهب
سجل الذهب أعلى مستوى قياسي له عند نحو 5600 دولار للأوقية في أواخر يناير 2026، قبل أن يدخل في موجة تصحيح هبط خلالها بنحو 29% من قمته. وقد تأثر ذلك بتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي أدت إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة الضغوط التضخمية عالميًا، مما عزز الطلب على الدولار.
وخلال يونيو ويوليو 2026 تعرض الذهب لمزيد من الضغوط مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع المخاوف من استمرار أسعار الفائدة الأمريكية مرتفعة، ليشهد تراجعًا مؤقتًا إلى ما دون مستوى 4000 دولار للأوقية. من جانبه، يقول الدكتور أحمد معطي الخبير الاقتصادي إن سعر الذهب في السوق المصرية يتحدد وفق ثلاثة عوامل رئيسية: السعر العالمي للأوقية وسعر صرف الدولار مقابل الجنيه بجانب حجم العرض والطلب في السوق المحلية.
يوضح لـ”مصراوي” أن العاملين الأكثر تأثيرًا في حركة الأسعار هما السعر العالمي وسعر الصرف.
يضيف أن تراجع أسعار الذهب عالميًا يرجع إلى تغير توجهات المستثمرين وصناديق الاستثمار عقب اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية. إذ اتجهت هذه الصناديق إلى زيادة استثماراتها في النفط والطاقة على حساب الذهب، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب العالمي وتراجع الأسعار.
يذكر معطي أن الارتفاعات الحادة التي شهدها الذهب خلال بداية الحرب لم تكن نتيجة مشتريات البنوك المركزية وإنما جاءت مدفوعة بمشتريات صناديق الاستثمار والمضاربين.
يشير إلى أن البنوك المركزية تواصل شراء الذهب كأداة للتحوط وتنويع الاحتياطيات وليس بهدف تحقيق أرباح رأسمالية أو دفع الأسعار إلى الارتفاع.
يلفت إلى أن صناديق الاستثمار تمتلك تأثيرًا أكبر على حركة أسعار الذهب مقارنة بالبنوك المركزية نظرًا لاتّسام قراراتها الاستثمارية بالمضاربة وسرعة التحرك، وهو ما يفسر القفزات السعرية الكبيرة التي يشهدها المعدن الأصفر صعودًا وهبوطًا.
لماذا تجذب البورصة المستثمرين؟
أما خالد الشافعي فيوضح أن سوق الأوراق المالية المصرية لا تزال تتمتع بفرص نمو. لافتًا إلى أن العديد من الأسهم يتم تداولها عند مستويات تقل عن قيمها العادلة مما يجعل البورصة جاذبة لشريحة من المستثمرين المحليين والأجانب.
يذكر أن الاستثمار في الذهب ينبغي أن يكون طويل الأجل وليس بغرض تحقيق أرباح سريعة. بينما يشير الشافعي إلى أن أسعاره ترتبط بالأسواق العالمية وتتأثر بحركة المضاربات مما قد يعرض المستثمرين قصيري الأجل لتقلبات سعرية كبيرة.
يرى أن شريحة من المصريين لا تزال تمتلك مدخرات تبحث عن أفضل السبل لاستثمارها سواء كانت حصيلة بيع أصل أو مكافأة نهاية خدمة أو مدخرات التقاعد. إلا أن ارتفاع تكاليف المعيشة يزيد من الضغوط على المواطنين مما يتطلب تبني سياسات اقتصادية تحقق توازن أكبر بين متطلبات الإصلاح وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
أين يضع المستثمر أمواله؟
كان بنكا الأهلي ومصر قد أعلنا في خطوة غير متوقعة رفع سعر الفائدة على شهادات الادخار إلى 19.5% ليقودان باقي البنوك الكبرى في رفع أسعار الفائدة على الشهادات.
فيما يتعلق باختيار الوعاء الاستثماري الأنسب، يرى معطي أنه لا توجد أداة استثمارية تناسب جميع المستثمرين. ذاكرًا أن الاستثمار الأكثر خطورة هو الدخول إلى سوق لا يمتلك المستثمر المعرفة الكافية بطبيعته وآليات عمله.
يرى أن البورصة المصرية تقدم فرصًا جيدة خلال الفترة الحالية بينما يظل الذهب مرشحاً لتحقيق ارتفاعات طويلة الأجل كما يواصل القطاع العقاري الحفاظ على جاذبيته. إلا أنه يجب ربط اختيار الوعاء الاستثماري بخبرة المستثمر وأهدافه المالية.
وينصح معطي بتنويع المدخرات وعدم توجيهها بالكامل إلى وعاء استثماري واحد داعيًا لتوزيعها عبر أكثر من أصل استثماري لتقليل المخاطر. كما يوصي الخبير الاقتصادي كبار السن وأصحاب المدخرات المحدودة بالاعتماد على الشهادات البنكية وفي حال الرغبة للاستثمار بالبورصة فإنه يُفضل القيام بذلك عبر صناديق الاستثمار المرخصة.

