قال اتحاد شركات التأمين المصرية إن التأمين متناهي الصغر يمثل أحد أبرز الأدوات المالية التي تسهم في توسيع مظلة الشمول المالي داخل القارة الأفريقية، لما يوفره من حماية للأفراد والأسر منخفضة الدخل، إلى جانب المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر التي تشكل ركيزة أساسية للنشاط الاقتصادي في العديد من الدول.

وتابع في نشرته الأسبوعية: إنه في ظل ما تواجهه القارة من تحديات متزايدة تشمل الفقر، والتغيرات المناخية، والأزمات الصحية، برز هذا النوع من التأمين كحل عملي يساعد على الحد من آثار المخاطر غير المتوقعة، ويعزز قدرة المجتمعات على الصمود واستمرار النشاط الاقتصادي.

ويعتمد التأمين متناهي الصغر على تقديم وثائق تأمينية مبسطة ومنخفضة التكلفة، تغطي مجموعة واسعة من المخاطر، منها التأمين على الحياة والصحة والزراعة والممتلكات، بما يضمن توفير مظلة حماية مالية للفئات التي كانت خارج نطاق الخدمات التأمينية التقليدية.

تطور تدريجي مدفوع باحتياجات السوق

شهد قطاع التأمين متناهي الصغر في أفريقيا تطورًا ملحوظًا على مدار العقود الماضية، حيث بدأت ملامح هذا النشاط في التبلور خلال منتصف تسعينيات القرن الماضي مع دخول شركات التأمين الخاصة إلى هذا المجال واتجاهها نحو تصميم منتجات تلائم احتياجات أصحاب الدخول المحدودة، مدفوعة بالتوسع في خدمات التمويل متناهي الصغر والطلب المتزايد على أدوات الحماية المالية.

ومع نهاية التسعينيات، انتقل القطاع إلى مرحلة أكثر تنظيمًا من خلال إقامة شراكات بين شركات التأمين ومؤسسات التمويل الأصغر والمنظمات الدولية، الأمر الذي ساهم في تحويل التأمين متناهي الصغر من مجرد خدمة مالية إلى أداة تنموية تدعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وتساعد على مواجهة التحديات التي تعاني منها المجتمعات الأفريقية.

فجوة تأمينية رغم الإمكانات الاقتصادية الكبيرة

رغم ما تتمتع به أفريقيا من فرص اقتصادية واعدة، فإنها لا تزال تواجه تحديات تنموية معقدة، في مقدمتها اتساع حجم الاقتصاد غير الرسمي الذي يعتمد عليه ملايين المواطنين كمصدر رئيسي للدخل. ويؤدي غياب الحماية التأمينية عن هذا القطاع إلى زيادة تعرض الأسر والمشروعات الصغيرة للمخاطر سواء كانت صحية أو مناخية أو اقتصادية.

وتزداد أهمية التأمين متناهي الصغر في ظل تنامي المخاطر المرتبطة بالتغيرات المناخية والتي تؤثر بصورة مباشرة على المزارعين والعاملين في القطاعات الإنتاجية، مما يجعل توسيع نطاق التغطية التأمينية ضرورة لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الاستقرار المالي للفئات الأكثر احتياجًا.

ثلاث ركائز لتوسيع نطاق التأمين

يعتمد نجاح التأمين متناهي الصغر في أفريقيا على مجموعة من العوامل الأساسية يأتي في مقدمتها تطوير نماذج أعمال مبتكرة تستفيد من التكنولوجيا الرقمية خاصة خدمات الدفع عبر الهواتف المحمولة والتأمين البارامتري الذي يتيح سرعة التعويض وربط التغطية بالمؤشرات المناخية.

كما يتطلب الأمر وجود أطر تنظيمية مرنة تدعم الابتكار وتحفز الشركات على تصميم منتجات تتناسب مع احتياجات الأسواق المحلية، إلى جانب تعزيز التعاون بين الحكومات وشركات التأمين ومؤسسات التمويل الأصغر والمنظمات الدولية بما يضمن توسيع قاعدة المستفيدين وتحقيق الاستدامة.

وفي ظل الانتشار الواسع للتكنولوجيا المالية في العديد من الدول الأفريقية أصبحت خدمات التأمين متناهي الصغر أكثر قدرة على الوصول إلى المناطق النائية والفئات التي لم تكن تتمتع سابقًا بالخدمات المالية مما يعزز فرص دمج ملايين المواطنين في المنظومة المالية الرسمية ويدعم النمو الاقتصادي الشامل.

التكنولوجيا تقود مستقبل القطاع

تفتح التحولات الرقمية آفاقًا واسعة أمام صناعة التأمين متناهي الصغر إذ تسهم الحلول التكنولوجية في خفض تكاليف التشغيل وتبسيط إجراءات الاشتراك وصرف التعويضات فضلًا عن تحسين تجربة العملاء وزيادة الثقة في الخدمات التأمينية.

ومع استمرار الابتكار في مجالات التكنولوجيا المالية يتوقع أن يشهد القطاع مزيدًا من النمو خلال السنوات المقبلة ليصبح أحد أهم الأدوات الداعمة للشمول المالي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في أفريقيا خاصة مع تزايد الاهتمام بتوفير حلول تأمينية تتسم بالمرونة وسهولة الوصول وتلبي احتياجات مختلف شرائح المجتمع.

كيف تحول التأمين متناهي الصغر من فكرة إلى ركيزة أساسية للشمول المالي؟

شهد قطاع التأمين متناهى الصغر بالسوق المصري تطورات نوعية وغير مسبوقة خلال عام 2026 جعلت منها نموذجًا رائدًا يُحتذى به بفضل حزمة متكاملة من التشريعات والتنظيمات حيث صدر قانون التأمين الموحد رقم 155 لسنة 2024 الذي وفر لأول مرة إطارًا تشريعيًا متكاملًا يُنظم نشاط شركات التأمين متناهي الصغر ويسمح بتأسيسها ككيانات مستقلة.

وعملت الهيئة العامة للرقابة المالية على ترجمة هذا القانون إلى واقع تنفيذي حيث أصدرت عدة قرارات تنظيمية خلال العامين الماضيين بهدف بناء بيئة تنظيمية مرنة تتماشى مع أفضل الممارسات العالمية وتعزز كفاءة القطاع وجاذبيته الاستثمارية.

ومن أبرز هذه القرارات التنظيمية إصدار القرار رقم 319 لسنة 2025 الذي وضع ضوابط شاملة لنشاط التأمين متناهي الصغر وحدد تعريفًا دقيقًا له وشروط مزاولته والتزامات الشركات المرخص لها. وقد ركزت هذه الضوابط على ضمان بساطة ووضوح وثائق التأمين ومرونة آليات تحصيل الأقساط وسرعة صرف التعويضات حيث أُلزمت الشركات بالبت في المطالبات خلال خمسة أيام عمل من تاريخ استيفاء المستندات وصرف التعويض خلال يومين عمل فقط من تاريخ الموافقة. كما وسّعت الهيئة نطاق الجهات المخولة بتسويق وتوزيع هذه المنتجات رقميًا لتشمل البنوك والبريد المصري وشركات الاتصالات مما يفتح آفاقاً واسعة للوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من المستفيدين.

ولم يقتصر الدعم التنظيمي على الجانب الإجرائي بل امتد ليشمل الجوانب المالية التي تعزز قدرة الفئات المستهدفة على الحصول على حماية حقيقية. ففي خطوة تعكس الفهم العميق لاحتياجات السوق أصدرت الهيئة قراراً برفع الحد الأقصى للتغطية التأمينية لنشاط التأمين متناهي الصغر إلى 390 ألف جنيه مصري مقارنة بما كان عليه سابقاً وذلك بهدف توفير مظلة حماية أكثر ملاءمة لطبيعة المخاطر التي تواجه أصحاب المشروعات المتناهية الصغر والحرفيين والعاملين في القطاع غير الرسمي ودعم استقرارهم وقدرتهم على الاستمرار. وقامت الهيئة أيضًا برفع الحد الأقصى لتمويل المشروعات متناهية الصغر ليتناسب مع هذه التغطيات مما يعزز التكامل بين التمويل والحماية التأمينية.

كما شهد عام 2026 حصول بعض شركات التأمين متناهى الصغر المتخصصة على موافقة مبدئية من الهيئة العامة للرقابة المالية مما يؤشر إلى توجه السوق نحو تنافسية متزايدة في هذا القطاع الحيوي.

وما زالت هناك تحديات تواجه الانتشار الواسع للتأمين متناهي الصغر يأتي في مقدمتها ضعف الوعي التأميني لدى الفئات المستهدفة التي لا تدرك كثيراً أهمية هذه المنتجات أو كيفية الاستفادة منها إلا أن التوجهات الحالية التي تركز على التحول الرقمي كأداة لخفض التكاليف وتبسيط الإجراءات والتزام الهيئة بتطوير الأطر التنظيمية بما يتناسب مع خصوصية السوق المصري وتزايد الشراكات بين القطاعين العام والخاص كلها عوامل تعكس مستقبل واعد لهذا النشاط وهو ما يعكس ثقة متزايدة في قدرة هذا القطاع على سد الفجوة التأمينية والمساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة والشمول المالي في مصر.

رأي اتحاد شركات التأمين المصرية

<p يُثمن اتحاد شركات التأمين المصرية الجهود الرائدة التي تبذلها الدول الأفريقية الشقيقة في تطوير قطاع التأمين متناهي الصغر والذي يُعد أداة استراتيجية فعالة لتعزيز الشمول المالي وحماية الفئات محدودة الدخل والمجتمعات الريفية. فالتجارب المتميزة تبرز قدرة القارة على ابتكار حلول تأمينية مرنة ومستدامة تلبي احتياجات الفئات منخفضة الدخل عبر الشراكات الرقمية والمنتجات المصممة خصيصاً للمناطق الريفية والفئات محدودة الدخل.

<p ويؤكد الاتحاد أهمية تعزيز التعاون الإقليمي الوثيق وتبادل الخبرات والتجارب الناجحة وتعزيز الشراكات المتعددة الأطراف لتوحيد الجهود وتطوير منتجات تأمينية مبتكرة تلبي الاحتياجات المتنوعة لشعوب القارة بما يحقق أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030 وأجندة أفريقيا 2063.

<p وفي هذا الإطار يؤكد الاتحاد أن التأمين متناهي الصغر أحد أبرز المجالات الاستراتيجية التي يدعمها الاتحاد بقوة معتبرًا إياه أداة حيوية لتعزيز الشمول المالي وحماية الفئات محدودة الدخل بالمجتمع المصري. فهو يوفر خططاً منخفضة التكلفة تشمل منتجات متنوعة مثل التأمين الطبي والزراعي والتأمين على الحياة لمساعدة الأفراد والأسر لمواجهة المخاطر والظروف الطارئة.

<p ويشير الاتحاد إلى التطور الملحوظ الذي شهده السوق المصري بهذا المجال خلال السنوات الأخيرة عبر إطلاق منتجات جديدة مدعومة رقميًا وزيادة التعاون مع شركات التكنولوجيا المالية مما ساهم برفع معدلات الاختراق وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية التأمين. ويستمر الاتحاد بدعم أعضائه لتوسيع نطاق هذه المنتجات وتطوير منتجات مبتكرة تتناسب مع الاحتياجات المحلية والاستفادة من التقنيات الرقمية لتقليل التكاليف وتسريع عمليات الاكتتاب وتسوية التعويضات كما يدعو لتعزيز الشراكات بين شركات التأمين ومؤسسات التمويل مُتناهي الصغر والبنوك والجهات الحكومية بما يعزز دور القطاع التأميني لتحقيق أهداف التنمية المستدامة وتقليل الفجوة التمويلية ودعم الاقتصاد غير الرسمي الذي يشكل نسبة كبيرة من النشاط الاقتصادي.