تتجذر خطط إيلون ماسك الطموحة لمستقبل شركة “سبيس إكس” والبشرية في فكرة فلكية قديمة تعود إلى ستينيات القرن الماضي، عندما بدأ علماء الفلك في التقاط إشارات راديوية غامضة من أعماق الكون.
في ذلك الوقت، كان عالم الفلك السوفيتي نيكولاي كارداشيف رائداً في البحث عن الذكاء الفضائي خارج الأرض، وقد أسرت تلك الإشارات خياله.
استناداً إلى شغفه بفكرة إمكانية رصد بث من حضارات فضائية محتملة، اقترح مقياساً لتصنيف تلك الحضارات بناءً على كمية الطاقة التي يمكنها إنتاجها واستخدامها في الاتصالات بين النجوم، وهو المفهوم المعروف اليوم باسم “مقياس كارداشيف”.
أشار ماسك إلى هذا المقياس مراراً وتكراراً، كان آخرها في مقطع فيديو نشر على منصة التواصل الاجتماعي “إكس” قبيل الطرح العام الأولي الضخم لأسهم “سبيس إكس” في يونيو الماضي، بالإضافة إلى بيان رسمي موقع منه على موقع الشركة الإلكتروني يلخص طلباً تقدمت به هذا العام إلى هيئة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية.
في هذا الطلب، التمست الشركة الإذن لإرسال ما يصل إلى مليون قمر اصطناعي جديد إلى المدار بهدف إنشاء مراكز بيانات عملاقة في الفضاء.
علق ماسك قائلاً إن هذه المجموعات الجديدة من الأقمار الاصطناعية ستكون بمثابة “خطوتنا الأولى نحو التحول إلى حضارة من المستوى الثاني على مقياس كارداشيف”.
مستويات الطاقة الثلاثة في الكون
ينقسم مقياس كارداشيف إلى ثلاثة مستويات رئيسية تتدرج من الكوكب إلى النجم ثم المجرة بأكملها.
الحضارة من النوع الأول هي القادرة على استخدام واستغلال كامل الطاقة المتاحة على كوكب واحد، سواء كانت طاقة ينتجها الكوكب نفسه مثل الطاقة الحيوية أو طاقة الرياح، أو تلك التي يتلقاها من نجمه المضيف مثل الطاقة الشمسية.
أما الحضارة من النوع الثاني فهي التي يمكنها تسخير كامل الطاقة المنبعثة من نجمها بالإضافة إلى القدرة على إرسال المعلومات عبر مسافات مجرية شاسعة.
بينما تعد الحضارة من النوع الثالث هي الحضارة الأسطورية القادرة على التحكم في طاقة مجرة كاملة واستغلالها، وإرسال البيانات عبر مجرات متعددة.
ورغم وجود منتقدين لهذا المقياس، إلا أنه ظل محفزاً للنقاشات العلمية على مدار العقود الستة الماضية وكان محوراً للعديد من التعديلات التي أضافت مستويات تصنيف أخرى.
يرى الخبراء أن هذا المقياس أداة مفيدة لتقييم الحضارات المحتملة رغم أنه لا يستخدم بشكل رسمي.
وفي هذا السياق، يقول زازا عثمانوف، الزميل بمعهد البحث عن ذكاء خارج الأرض والمعاون لعميد كلية الفيزياء بالجامعة الحرة في تبليسي بجورجيا: “مقياس كارداشيف هو الإطار العلمي الوحيد تقريباً المتاح لدينا لتقييم المستوى التكنولوجي للحضارة بموضوعية”. ويضيف أنه يتيح لنا تقدير ومقارنة حجم موارد الطاقة التي يمكن للحضارة التحكم فيها واستخدامها وفقًا لشبكة “سي إن إن”.
استناداً إلى هذا المعيار، أشار ماسك الشهر الماضي إلى أن أي حضارة فضائية قد تمر بكوكب الأرض الآن لن تنبهر بنا كثيراً.
لكن يتساءل الخبراء: هل يمكن لخطط الشركة لإنشاء مراكز بيانات مدارية التي تواجه عقبات تقنية كبيرة وتطوير مركبة “سفينة الفضاء” الأكثر قوة في التاريخ أن تغير هذه النظرة؟
يرى الخبراء أنه حتى لو نجحنا في ذلك، فإن مواصلة الارتقاء بمفهوم كارداشيف ستكون مسألة معقدة ولها تبعات كبرى.
موقع الأرض الفعلي على المقياس
نشر نيكولاي كارداشيف مقياسه لأول مرة عام 1964 في ورقة علمية بعنوان “نقل المعلومات بواسطة الحضارات خارج الأرض” وسرعان ما أصبحت دراسته محط فحص وتدقيق.
يتذكر جيسون رايت، أستاذ علم الفلك والفيزياء الفلكية بجامعة بنسلفانيا تلك الحقبة قائلاً إن فكرة إمكانية التواصل مع كائنات فضائية كانت جديدة تماماً وكان الجميع يحاول استكشاف مدى واقعيتها. وكان كارداشيف عالماً شاباً متحمساً جداً لهذه الفكرة وبدأ يفكر في نوع جديد من مصادر الراديو المكتشفة حديثًا والتي نفهم الآن أنها ثقوب سوداء فائقة الكتلة ولكنهم كانوا لا يزالون يحاولون فهم طبيعتها آنذاك.
دون تحديد موقع الأرض بدقة على مقياسه، وصف النوع الأول بأنه “مستوى تكنولوجي قريب مما تم الوصول إليه حالياً على الأرض”. وفي السبعينيات اقترح عالم الفلك الأمريكي كارل ساجان تعديلاً لمعالجة ما اعتبره عيبًا كبيرًا وهو الافتقار للدقة والتدرج؛ حيث أضاف نقاطًا عشرية لجعل المقياس مستمراً واقترح أن البشرية تقف عند مستوى 0.7 تقريبًا وفق نسخته الجديدة.
من المهم ملاحظة أن نسخة ساجان ليست خطية بل لوغاريتمية مما يعني أن الفجوة بين 0.7 و1 أكبر بكثير مما تبدو عليه للوهلة الأولى. ويعلق جيسون رايت قائلاً إن مقياس كارداشيف غالبًا ما ينتقد لأنه يحاول إسقاط فهمنا للتاريخ البشري والتقدم على الكائنات الفضائية لكن نسخة ساجان تسمح لنا بتنحية ذلك جانبا والقول ببساطة إن الكائنات تستخدم كمية معينة من الطاقة وهذا المقياس يصف حجم تلك الطاقة ويعتبر مفيدًا بهذا المعنى.
أحدث تقدير لموقع الأرض على مقياس كارداشيف المعدل جاء من دراسة أجريت عام 2023 حيث قدرت أن البشرية تقف حالياً عند مستوى 0.7276 باستخدام متغيرات اقتصادية وديموغرافية ومناخية وبيئية. وتوقعت الدراسة أيضاً أنه بحلول عام 2060 ستصل البشرية إلى مستوى 0.7449 مما يمثل نمواً بنسبة 50% في استهلاك الطاقة.
تحديات الطاقة والارتقاء الحضاري
تقنيًا، فإن أي مشروع طاقة يضيف لموقع الأرض على المقياس لكن الطريق نحو النوع الأول الكامل لا يزال طويلاً. يقول أنتونغ تشانغ الباحث الزائر بكلية هارفارد للهندسة والعلوم التطبيقية والمؤلف الرئيسي لدراسة 2023: “وفقاً لاتجاهات الطاقة والتكنولوجيا الحالية فإن الوصول لوضع حضارة من النوع الأول سيستغرق آلاف السنين ما لم تحدث طفرة كبيرة مثل التوسع الهائل للطاقة المتجددة أو الاندماج النووي بشكل جذري”.
وفي ظل عدم قدرة البشرية حتى الآن على الوصول للنوع الأول هل يبدو التطلع للنوع الثاني ممكناً؟ يرى إيلون ماسك أن “أي حضارة تحترم نفسها يجب أن تصل على الأقل للنوع الثاني على مقياس كارداشيف”. ولا يعني هذا بالضرورة أن الأرض بحاجة لإنجاز النوع الأول بالكامل بل يمثل “محاولة أولى لاستخدام حصاد الطاقة الشمسية المعتمدة على الفضاء” وفق تصريح تشانغ. ومن جانبه يرى جيسون رايت أن خطة ماسك لإطلاق مليون قمر اصطناعي تعد خطوة تقنية نحو النوع الثاني لكن تسخير كامل طاقة الشمس سيتطلب مواد تفوق كتلتها مجموع كل الكويكبات الموجودة بحزام الكويكبات وهي خطوة قد تغير بشكل جذري بنية النظام الشمسي وصلاحية كوكب الأرض للحياة مما يعتبر هدفًا غير واقعي أو مرغوب للبشرية للسعي لتحقيقه.
نقل الصناعة خارج كوكب الأرض
يكشف ميتزجر أنه كتب ورقة بحثية عام 2012 عندما كان لا يزال ضمن وكالة ناسا وحظيت باهتمام البيت الأبيض خلال فترة أوباما وعقدت سلسلة اجتماعات بشأنها. كانت الورقة تجادل بأن بإمكاننا بالفعل البدء بتأسيس حضارة بمستوى النظام الشمسي سريعاً عبر إقامة مصانع بالقمر وتطويرها ذاتياً متوقعةً أن يستغرق الأمر بين 20 و70 عاماً اعتمادا على سرعة العمل وسيعود ذلك بفوائد هائلة للعالم بينما سيكلف حوالي ثلث ميزانية ناسا فقط.

