أثار الاتفاق الإيراني-الأمريكي بشأن فتح مضيق هرمز تساؤلات عديدة حول المرحلة المقبلة، أكثر مما قدم من إجابات نهائية. بعد شهور من التوتر والتصعيد والتهديد بإغلاق أحد أهم الممرات البحرية في العالم، يبدو أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة عنوانها الأساسي هو: ماذا الآن؟ هذا السؤال لا يخص العلاقات بين واشنطن وطهران فحسب، بل يمتد إلى الداخل الإيراني، حيث ينتظر الشعب ما إذا كان هذا الاتفاق سيترجم إلى انفراج حقيقي أم سيبقى مجرد هدنة سياسية مؤقتة.
يمثل الاتفاق بالنسبة للإيرانيين فرصة محتملة لالتقاط الأنفاس بعد سنوات من الضغوط الاقتصادية والعقوبات وتراجع القوة الشرائية. إذا أدى التفاهم الجديد إلى تخفيف القيود على التجارة والنفط والتحويلات المالية، فقد يشعر المواطن بتحسن تدريجي في الأسعار، وتراجع محدود في البطالة، وعودة بعض النشاط إلى السوق. لكن التجربة الإيرانية مع الاتفاقات الخارجية تجعل الشارع أكثر حذرًا من التفاؤل السريع، إذ يعتقد كثير من الإيرانيين أن المشكلة لا تتوقف عند العقوبات وحدها، بل تشمل أيضًا إدارة الاقتصاد والفساد وضعف الشفافية وتضارب مراكز القرار.
يبرز هنا السؤال الأهم: هل سيستفيد الشعب الإيراني فعلًا من هذا الاتفاق، أم ستذهب ثماره إلى دوائر السلطة الضيقة؟ التاريخ القريب يعلم أن أي انفراج خارجي لا ينعكس تلقائيًا على حياة الناس ما لم ترافقه إصلاحات داخلية واضحة. وإذا لم تُترجم هذه المرحلة إلى سياسات اقتصادية ملموسة، فقد يفقد الشارع الإيراني ثقته مرة أخرى في إمكانية التغيير عبر الدبلوماسية.
أما الحكومة الإيرانية، فهي أمام اختبار سياسي بالغ الحساسية. فمن جهة، يمكنها أن تقدم الاتفاق باعتباره نجاحًا دبلوماسيًا يحفظ مصالح الدولة ويمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع. ومن جهة أخرى، ستواجه ضغطًا داخليًا متزايدًا لإثبات أن هذا النجاح ليس رمزيًا فقط بل له أثر حقيقي على حياة المواطنين. فلا تستطيع الحكومة الاكتفاء بالحديث عن “الانتصار السياسي” إذا بقيت الأسواق مضطربة والأسعار مرتفعة والعملة ضعيفة.
السؤال بالنسبة للحكومة إذن هو: هل تمتلك خطة واضحة لما بعد الاتفاق؟ هل ستستخدم هذه اللحظة لإعادة هيكلة الاقتصاد وتحسين بيئة الأعمال وتخفيف القيود التي كبّلت النمو؟ أم أن الاتفاق سيُعامل كاستراحة قصيرة قبل عودة الأزمات القديمة؟ كثير من المراقبين يعتقدون أن نجاح الحكومة لن يُقاس بخطابها السياسي بل بقدرتها على تحويل الهدنة إلى نتائج واقعية.
أما القيادة الإيرانية، فهي تواجه معضلة أعمق من الاقتصاد والسياسة اليومية. النظام الذي بنى جزءًا كبيرًا من شرعيته على خطاب الصمود والمواجهة والرفض المبدئي للضغوط الأمريكية يجد نفسه اليوم أمام مرحلة تتطلب لغة مختلفة: لغة المرونة والتفاوض وإدارة المكاسب. وهذه ليست مهمة سهلة لأن أي انفتاح على واشنطن يثير داخل البنية السياسية نفسها أسئلة حول الثوابت والحدود والتنازلات الممكنة.
وهنا يعود السؤال الكبير: ماذا الآن؟ هل يشكّل الاتفاق بداية مسار جديد طويل قد يغيّر موقع إيران في الإقليم والعالم؟ أم أنه مجرد تهدئة مؤقتة فرضتها الحسابات العسكرية والاقتصادية ويمكن أن تنهار عند أول أزمة جديدة؟ وهل ستختار القيادة الإيرانية استثمار هذه الفرصة لإعادة بناء الثقة داخليًا وخارجيًا أم ستتعامل معها بوصفها محطة عابرة لا تستحق تحولًا عميقًا؟
مضيق هرمز أعيد فتحه لكن أبواب الأسئلة ما تزال مفتوحة على مصراعيها والمستقبل القريب سيكشف ما إذا كان هذا الاتفاق بداية مرحلة استقرار أم مجرد فصل جديد في قصة طويلة من التوترات غير المحسومة.

