دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ولايته الرئاسية الثانية رافعًا شعار إنهاء الحروب الخارجية وتجنب الانخراط في صراعات جديدة، في محاولة لتقديم نفسه بوصفه الرئيس الذي سيكسر نهج التدخلات العسكرية الممتد منذ عقود. وبدا خلال الأشهر الأولى أن إدارته تتحرك بالفعل في هذا الاتجاه، عبر الضغط على الحلفاء لتحمل أعباء أمنهم، وتشجيع المفاوضات في عدد من الملفات الدولية، مع تقليص أولوية الشرق الأوسط في الاستراتيجية الأمريكية.

لكن بعد نحو عام ونصف من عودته إلى البيت الأبيض، وجدت الولايات المتحدة نفسها مرة أخرى منخرطة في حرب واسعة بالشرق الأوسط، لتتكرر المفارقة التي واجهها رؤساء أمريكيون سابقون، وفي مقدمتهم باراك أوباما، الذي وعد أيضًا بإنهاء “الحروب التي لا تنتهي” قبل أن يجد نفسه عاجزًا عن فك ارتباط واشنطن بالمنطقة.

استراتيجية جديدة.. وواقع مختلف

بحسب تقرير لمجلة “فورين أفيرز” الأمريكية المتخصصة في التحليلات السياسية، تميزت استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب لعام 2025 بخروجها عن النمط التقليدي الذي اعتادت عليه الإدارات الأمريكية. فبدلاً من اعتبار جميع الأزمات الدولية مصالح حيوية، أكدت الوثيقة أن الولايات المتحدة تمتلك مصالح محددة ومحدودة يجب ترتيبها وفق الأولويات، مع التركيز على منطقة المحيطين الهندي والهادئ ونصف الكرة الغربي. اعتبرت الوثيقة أن مرحلة هيمنة الشرق الأوسط على السياسة الخارجية الأمريكية قد انتهت.

وخلال الفترة الأولى من الولاية الثانية، بدا أن الإدارة تحاول تطبيق هذا النهج. إذ دفعت الحلفاء الأوروبيين والآسيويين إلى تحمل مسؤولية أكبر في الدفاع عن أنفسهم، وسعت إلى تسهيل محادثات السلام في أوكرانيا وغزة. بينما جاءت العمليات العسكرية المحدودة ضد إيران وفنزويلا ضمن أهداف وصفت بأنها تكتيكية ومحددة.

إلا أن هذه النجاحات المحدودة شجعت التيار المحافظ التقليدي داخل الحزب الجمهوري على الدفع نحو تدخلات أوسع، لينتهي الأمر بإطلاق عملية عسكرية واسعة ضد إيران استهدفت بنيتها العسكرية وقادتها، وسط حديث أمريكي مبكر عن تغيير النظام.

نجاح عسكري بلا مكاسب استراتيجية

رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بالقدرات العسكرية الإيرانية، يرى التقرير أن واشنطن لم تحقق هدفًا استراتيجيًا حاسمًا. إذ بقي النظام الإيراني قائمًا بينما تمكنت طهران من تعزيز قدرتها على تهديد الملاحة في مضيق هرمز. وفي الوقت نفسه استنزفت الولايات المتحدة جزءًا كبيرًا من مخزونها من الذخائر الدقيقة وتعرضت قواعدها العسكرية الإقليمية لأضرار كبيرة. ويخلص التقرير إلى أن النتيجة النهائية لا تختلف كثيرًا عن تجارب أمريكية سابقة حيث تحقق القوات المسلحة نجاحات ميدانية لكن الأهداف السياسية الكبرى تبقى بعيدة المنال.

لماذا تتكرر الحروب؟

يرى تقرير المجلة أن المشكلة لا ترتبط بالرؤساء أو الأحزاب فقط وإنما بهيكل النظام السياسي الأمريكي نفسه الذي يجعل اللجوء إلى القوة العسكرية خيارًا سهلًا للغاية. فمنذ حرب الخليج عام 1991 اعتادت الإدارات الأمريكية استخدام القوة لتحقيق حتى المصالح المحدودة بينما تراجع دور الكونجرس تدريجيًا في إعلان الحروب أو تقييدها. وأصبح الرئيس باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة قادرًا على إطلاق العمليات العسكرية بسرعة مستفيدًا من شبكة القواعد الأمريكية المنتشرة حول العالم.

وفي المقابل يصبح إنهاء هذه الحروب أكثر صعوبة لأن الإدارات الأمريكية تميل إلى رفع سقف الأهداف من الردع إلى تغيير الأنظمة وبناء الدول مما يجعل أي انسحاب يبدو سياسيًا بمثابة اعتراف بالفشل.

الإعلام والحلفاء.. عوامل تدفع نحو التصعيد

يشير التقرير إلى أن البيئة السياسية والإعلامية الأمريكية تسهم أيضًا في تشجيع التدخلات العسكرية. إذ تميل قطاعات واسعة من الإعلام إلى دعم استخدام القوة وانتقاد أي انسحاب بينما يدفع الحلفاء الإقليميون واشنطن في كثير من الأحيان إلى الانخراط في صراعاتهم مستفيدين من وجود قوات أمريكية وقواعد عسكرية على أراضيهم.

ويستشهد التقرير بحالة الشرق الأوسط حيث بررت الإدارة الأمريكية مشاركتها في الضربات ضد إيران بأن القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة أصبحت معرضة أصلًا لأي رد إيراني مما جعل التدخل يبدو ضرورة لحماية الجنود الأمريكيين.

تكاليف غير مرئية

ورغم أن الحروب الأمريكية الحديثة لا تفرض أعباء مباشرة على غالبية المواطنين فإن التقرير يؤكد أن تكلفتها الحقيقية تتراكم بصورة غير مرئية. فالاعتماد على جيش تطوعي والتطور التكنولوجي وانخفاض أعداد القتلى مقارنة بحروب فيتنام وكوريا كلها عوامل تجعل الأمريكي العادي يشعر بأن أثر الحرب يقتصر على ارتفاع الأسعار والتضخم.

لكن خلف هذه الصورة توجد فاتورة ضخمة تشمل اتساع الدين العام واستنزاف الجيش وتحويل الإنفاق بعيدًا عن الاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية والاقتصاد إضافة إلى تراجع الجاهزية العسكرية في مناطق تعتبرها واشنطن أكثر أهمية مثل شرق آسيا.

استنزاف القدرات العسكرية

يعتبر التقرير أن أخطر نتائج الحرب مع إيران تتمثل في النقص المتزايد بالذخائر الدقيقة. إذ إن كل صاروخ يستخدم في الشرق الأوسط لا يمكن استخدامه في مواجهة محتملة مع الصين أو روسيا. كما أن استمرار الانخراط العسكري في الشرق الأوسط يعرقل إعادة هيكلة الجيش الأمريكي بما يتناسب مع التحديات المستقبلية ويجبر البنتاجون على الاحتفاظ بقوات برية وتجهيزات مخصصة لحروب تغيير الأنظمة بدلًا من التركيز على المنافسة مع القوى الكبرى.

ويرى التقرير أن زيادة الإنفاق الدفاعي ليست حلًّا كافيًّا لأن رفع الميزانية العسكرية إلى مستويات غير مسبوقة سيأتي على حساب الاستثمار في قطاعات أخرى أكثر أهمية للنمو الاقتصادي والابتكار.

تراجع النفوذ الأمريكي

إلى جانب الخسائر العسكرية يشير التقرير إلى أن الحرب أضعفت مكانة الولايات المتحدة عالميًا بعدما ساهمت بصورة مباشرة في اضطراب أسواق الطاقة العالمية وهو ما يتعارض مع الصورة التي سعت واشنطن إلى ترسيخها باعتبارها ضامنًا لاستقرار التجارة الدولية.

كما أدى الانشغال بالحرب إلى تراجع الزخم الدبلوماسي الأمريكي في ملفات أخرى مثل أوكرانيا حيث أظهرت استطلاعات الرأي انخفاض نسبة من يعتبرون الولايات المتحدة قوة داعمة للاستقرار العالمي.

كيف يمكن كسر الحلقة؟

يؤكد التقرير أن إنهاء الحروب الدائمة لا يتطلب رئيسًا يرفع شعارات جديدة فقط بل يحتاج إلى إصلاحات مؤسسية تقلل من سهولة استخدام القوة العسكرية. ويقترح منح الكونجرس دورًا أكبر في الموافقة على الإنفاق العسكري والعمليات الخارجية وتقليص انتشار القواعد الأمريكية وتشديد الرقابة على العلاقة بين البنتاجون وشركات الصناعات الدفاعية والحد من تأثير جماعات الضغط المرتبطة بها.

ويخلص التقرير إلى أن الرأي العام الأمريكي بات يرفض منذ سنوات حروب تغيير الأنظمة لكن الحوافز السياسية والعسكرية ما زالت تدفع الإدارات المتعاقبة إلى تكرار التجربة نفسها مما يهدد باستنزاف القوة الأمريكية تدريجيًّا ويجعل واشنطن غير قادرة على إدارة جميع أزماتها بشكل متزامن لتبقى أمام خيارين: تحديد أولوياتها الاستراتيجية بوضوح أو الاستمرار في دوامة الصراعات التي تستنزف نفوذها ومواردها.