أرقام صادمة وتوقعات قاتمة، ومصابون يعتلون قوائم انتظار الموت؛ هكذا يبدو المشهد بينما تتجه أزمة تفشي وباء إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية نحو مرحلة حرجة تضع المنظومة الصحية العالمية أمام اختبار هو الأقسى منذ جائحة كوفيد-19.

في تحذير يعكس سوداوية المشهد، أكد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم جيبريسوس أن التفشي الحالي للمرض يتجه لتجاوز حصيلة الوفيات المسجلة في أسوأ موجة شهدها تاريخ إيبولا، موضحًا أن انتشار الفيروس “بالوتيرة الحالية” قد يتخطى بكثير كارثة التفشي في غرب أفريقيا (2014-2016)، والتي أودت بحياة ما لا يقل عن 11 ألف شخص.

جاءت تصريحات المدير العام لمنظمة الصحة العالمية في وقت كشفت فيه جريدة “ذا جارديان” البريطانية أن “تفشي فيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية امتد إلى مقاطعة سادسة، مشيرة إلى تسجيل حالة وفاة في مقاطعة باس أويل التي لم تكن قد تأثرت بالمرض سابقًا”، وفق المدير العام لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في أفريقيا جان كاسيا.

وتأتي تصريحات المدير العام لمنظمة الصحة العالمية بالتزامن مع ما كشفته جريدة “ذا جارديان” البريطانية حول اتساع رقعة الوباء؛ حيث امتد تفشي فيروس إيبولا إلى مقاطعة سادسة في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

أكثر من 3400 حالة في مقاطعة إيتوري

وأوضحت الجريدة أن الفيروس انتشر عبر 6 مقاطعات من أصل 26 مقاطعة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتحديدًا في المناطق الواقعة على طول الحدود الشمالية الشرقية للبلاد. وسجلت أكثر من 3400 حالة في مقاطعة إيتوري، التي شهدت الإبلاغ عن الوباء لأول مرة.

وعلى الصعيد الإقليمي، أبلغت أوغندا عن تسجيل 20 حالة إصابة محصورة في العاصمة كمبالا، حيث سجلت آخر حالة هناك في 21 يونيو 2026، دون رصد أي حالات انتقال مجتمعي للعدوى.

تحديات معقدة تعرقل مواجهة الوباء

يأتي التفشي المتسارع للفيروس في ظل ظروف ميدانية شديدة التعقيد؛ إذ تواجه جهود المكافحة تراجعًا حادًا في المساعدات التنموية الدولية، بالتوازي مع تهديدات أمنية مستمرة تُشكلها الجماعات المتمردة.

يضاف إلى ذلك حالة الغضب والاحتقان السائدة بين المجتمعات المحلية التي تعاني آثار الصدمات النفسية طويلة الأمد، ناهيك عن اتساع نطاق حملات التضليل والمعلومات الخاطئة التي تُشكك في وجود مرض إيبولا من الأساس؛ فضلاً عن ضبابية ومعدلات انتشار المرض المثيرة للقلق؛ حيث ما يزال النطاق الحقيقي لتفشي المرض مجهولًا؛ فبينما أُعلن عنه رسميًا في 15 مايو 2026، تؤكد منظمة الصحة العالمية أن نتائج التسلسل الجيني أظهرت أن الوباء بدأ بالانتشار فعليًا قبل ذلك بأشهر، وتحديدًا في فبراير 2026.

وفي مؤشر ينذر بالخطر، كشفت السلطات الصحية أن ما بين 60% و70% من الحالات الجديدة تسجل خارج نطاق المخالطين الخاضعين للمراقبة، مما يعني تسرب الفيروس مجتمعياً بمعدلات متسارعة.

الباحثون يسابقون الزمن

ونقلت جريدة “ذا جارديان” عن المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أفريقيا، محمد يعقوب جنابي، قوله واصفًا صعوبة الموقف: “نحن نلاحق الفيروس.. لكن الفيروس يسبقنا”.

وفي المقابل، أبدى رئيس قسم الاستجابة للطوارئ في المنظمة، عبد الرحمن محمود، قدراً من التفاؤل الحذر؛ إذ شدد على أنه إذا تم تنفيذ خطة الاستجابة “بشكل متزامن عبر مناطق انتقال العدوى الخمس، يمكن إحداث تحول ملموس خلال ثلاثة أشهر”. ولكنه حذر -في الوقت ذاته- من أن “تفشي المرض قد يستمر ما بين تسعة إلى 12 شهراً إذا لم تجر السيطرة على بؤر انتشاره بشكل كامل”.

إضرابات العاملين في القطاع الصحي

ويتطور تفشي المرض بالتزامن مع إضرابات بعض العاملين الصحيين الذين لا يحصلون على أموال كافية مقابل عملهم، على الرغم من أنهم يمثلون الخطوط الأمامية لمواجهة تفشي الأمراض ويتعرضون لمخاطر مهنية عالية؛ وتشمل هذه المجموعة العاملين في مجال الرعاية الصحية والعاملين بالمختبرات وفرق مكافحة العدوى والوقاية منها وفرق الدفن وإدارة الجثث وموظفي الإسعاف.

وفي السياق، بدأ العاملون الصحيون في مركز نيزي للعلاج بمقاطعة إيتوري إضراباً أمس الخميس مما أدى إلى الإغلاق المؤقت للمركز بسبب عدم تقاضيهم رواتبهم لمدة ثلاثة أشهر.

وبحسب تقرير نشره موقع “نيتشر أفريقا” لا يزال التعرض المهني سبباً رئيسياً للمرض والوفاة؛ حيث تشير لغة الأرقام إلى أنه خلال وباء إيبولا في غرب أفريقيا بين عامي 2013 و2016 أصيب مئات من العاملين بمجال الرعاية الصحية وتوفوا في ليبيريا وسيراليون مما أدى إلى عواقب وخيمة على الأنظمة الصحية الهشة أصلاً.

ثغرات مستمرة في الوقاية من العدوى

ويظهر التفشي الحالي أن هذه المخاطر لم تختفِ؛ ففي 1 أغسطس 2026 كان هناك 151 من العاملين بمجال الرعاية الصحية ضمن 3605 حالات مؤكدة لمرض فيروس بونديبوجيو مما يسلط الضوء على الثغرات المستمرة في الوقاية من العدوى والسلامة المهنية واستعداد النظام الصحي للتعامل مع الوباء.

مرض نادر مميت

يعد إيبولا مرضاً نادراً ولكنه شديد العدوى ويمكن الإصابة به عن طريق سوائل الجسم مثل القيء والدم والسائل المنوي بما فيها الجثث ومن الأسطح والمواد الملوثة مثل الفراش والملابس. ويسبب هذا المرض أعراضاً حادة وغالباً ما يكون مميتاً.

وقد بدأت التجارب السريرية لعلاجين محتملين لسلالة بونديبوجيو من فيروس إيبولا المسببة لهذا التفشي الشهر الماضي بإيتوري وسط تأكيد منظمة الصحة العالمية بأنه تم تطوير لقاحين خصيصاً لهذه السلالة وأن اللقاحين يخضعان الآن للتجربة على البشر لأول مرة.