هناك شيء ما انكسر في الإنسان. لا في جسده، بل في بوصلته.. في ذلك الجزء الصغير الذي كان يعرف بالفطرة أين يقف، ومتى يتكلم، وكيف يرحم، ولماذا يخجل.

كل يوم نستيقظ على نسخة جديدة من أنفسنا، لكنها للأسف ليست نسخة مطورة، بل نسخة أبعد عن الأصل. أصبحنا نغير كل شيء.. شكلنا، ملابسنا، لغتنا، أفكارنا، معتقداتنا، وحتى معاييرنا في الحكم على الأشياء.

ومع كل تحديث جديد نفقد جزءا من النسخة الأولى التي خرجت إلى الدنيا نقية بسيطة تعرف الخير دون أن تحتاج إلى دورة تدريبية، وتستقبح القبح دون أن تفتش عن مبررات له.

المفارقة المؤلمة أن الطبيعي لم يعد طبيعيا. إذا رأيت شابا مهذبا يحترم الكبير، يغض بصره، ويحسن حديثه، يقال عنه إنه قديم أو معقد. وإذا رأيت فتاة تتمسك بحيائها، ينظر إليها البعض وكأنها قادمة من زمن آخر. وإذا صادفت إنسانا صادقا لا يعرف المراوغة، يبتسم الناس ساخرين ويصفونه بالسذاجة.

أما الشذوذ عن الفطرة فقد نجح في تقديم نفسه باعتباره الصورة العصرية للحياة، حتى أصبح الإنسان يخجل من فضيلته أكثر مما يخجل آخرون من رذائلهم. لقد اختلطت علينا المفاهيم بصورة مرعبة.

أصبح الوقار ضعفا، والحياء عقدة، والقناعة فشلا، والرحمة هشاشة، والالتزام تشددا. بينما صارت الوقاحة جرأة والانفلات حرية والأنانية نجاحا والاستعراض ثقة بالنفس. لم يعد الخلل في الأشخاص بل في المقياس نفسه.

حين يختل الميزان يصبح المستقيم معوجا في أعين الناس ويصبح المعوج هو النموذج الذي يسعون لتقليده. نحن لا نحتاج إلى إعادة تصميم الإنسان ولا إلى اختراع منظومة أخلاق جديدة ولا إلى فلسفات معقدة تفسر لماذا أصبح العالم قاسيا.

نحتاج فقط إلى إعادة ضبط المصنع؛ أن نعود إلى تلك النسخة الأولى التي زرعها الله في الإنسان قبل أن تعبث بها المصالح والأهواء والموضات والضغوط والمنصات وخوارزميات الشهرة.

إعادة ضبط المصنع تعني أن يعود الأب أبا لا مجرد ممول للأسرة وأن تعود الأم حضنا لا وظيفة إضافية في جدول الحياة وأن يعود المعلم قدوة قبل أن يكون شارحا وأن يعود الإعلام رسالة قبل أن يتحول إلى سباق على نسب المشاهدة وأن يعود النجاح مرتبطا بما يضيفه الإنسان للحياة لا بعدد الإعجابات التي يجمعها في دقائق.

نحتاج إلى إعادة ضبط للمشاعر أيضا. لقد أصبح التعاطف موسميا والغضب انتقائيا والحزن محتوى والفرح استعراضا. صرنا نلتقط الصور قبل أن نمد أيدينا للمساعدة ونكتب المنشورات قبل أن نقدم الفعل ونبحث عن زاوية التصوير المناسبة أكثر مما نبحث عن الحل المناسب.

حتى الأطفال لم يسلموا من هذا العبث.. كبروا قبل أوانهم وتعلموا كيف يظهرون أكثر مما تعلموا كيف يكونون. جيل يعرف أسماء المؤثرين أكثر مما يعرف أسماء العلماء ويحفظ التحديات الرائجة أكثر مما يحفظ المبادئ التي تحفظ الإنسان من السقوط.

ولأن كل شيء أصبح قابلا للتعديل ظن البعض أن الأخلاق أيضا مجرد خيار شخصي وأن الفطرة مجرد رأي وأن القيم القديمة يمكن استبدالها كما نستبدل تطبيقا في الهاتف.

لكن الحقيقة هي أنه كلما ابتعد الإنسان عن فطرته ازدادت حيرته حتى لو امتلك كل وسائل الرفاهية. ولهذا لم يكن العالم يوما أكثر تقدما من اليوم لكنه أيضا لم يكن بهذا القدر من القلق والوحدة والاكتئاب والتوتر. التكنولوجيا تقدمت أما الإنسان فتراجع خطوة بعد أخرى.

وربما آن الأوان لأن نتوقف قليلا؛ لا لنبحث عن إصدار أحدث من الإنسان بل لنستعيد الإصدار الأول. ذلك الذي كان يرى الصدق فضيلة والرحمة قوة والأمانة شرفا والحياء جمالا واحترام الآخرين دليلا على احترام النفس.

فكلما ابتعدنا عن الأصل ازددنا ضياعا وكلما اقتربنا من الفطرة اكتشفنا أن أجمل ما في الإنسان لم يكن يحتاج إلى تطوير أصلا بل كان يحتاج فقط إلى ألا نعبث به.