الخميس 23/يوليو/2026 – 09:57 م .
ما جرى في مستشفى قنا العام ينبغي ألا ينتهي عند حدود قرار إداري أو إقالة مسؤول، لأن القضية أكبر من شخص وأبعد من واقعة. القضية الحقيقية هي كيف نتعامل مع الطبيب المصري؟ هذا الطبيب الذي نطالبه بأن يكون حاضراً في كل لحظة، وأن يواجه المرض والموت والأوبئة والحوادث والكوارث، وأن يعمل تحت ضغط لا يتوقف، ثم نتركه في أحيان كثيرة وحده أمام نقص الإمكانات، وضغط العمل وبيروقراطية الإدارة، وأحياناً اعتداءات المرضى وذويهم. وعندما تقع الأزمة، يصبح الطبيب هو الحلقة الأسهل للمحاسبة، وكأن منظومة الصحة بكل تعقيداتها يمكن اختصارها في شخص واحد.
الطبيب هو حارس الحياة ومندوب الرحمة على الأرض، والطبيب المصري تحديداً أثبت أنه واحد من أهم كنوز هذا الوطن البشرية. كان الجيش الأبيض دائماً في الصفوف الأولى خلال الحروب والأوبئة والكوارث. وقف الأطباء المصريون في رفح وداخل قطاع غزة يقدمون العون والجراحات للأشقاء تحت ظروف قاسية لا يستطيع كثيرون تحملها. وفي الداخل، حمل الأطباء على عاتقهم تنفيذ المبادرات الصحية الرئاسية الكبرى، من القضاء على فيروس «سي» إلى إنهاء قوائم الانتظار، ومبادرات صحة المرأة والطفل والكشف المبكر عن الأمراض. كل ذلك يؤكد أن الدولة لا تملك رفاهية التعامل مع الطبيب باعتباره مجرد موظف يمكن تعطيله بورقة أو نقله بقرار أو تركه يواجه مصيره وحده.
لذا فإن إصلاح المنظومة الصحية لا يبدأ بإلقاء المسؤولية على الطبيب عند كل أزمة، ولا ينتهي بإقالة مدير مستشفى. المحاسبة مطلوبة، نعم، لكن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأن الطبيب المصري يحتاج إلى منظومة تحميه وتدعمه وتوفر له الأدوات اللازمة للعمل، وتحرره من البيروقراطية، وتحميه من الاعتداء وتفتح أمامه أبواب البحث العلمي والتطوير. فلا يعقل أن يضيع الطبيب وقته بين الاستمارات والتوقيعات والانتدابات أو أن يخوض معركة للحصول على مصدر علمي أو أن يعمل بعيداً عن أسرته في ظروف قاسية. ثم نندهش بعد ذلك عندما يختار الهجرة بحثاً عن بيئة تقدر علمه وإنسانيته.
الطبيب المصري ليس خصماً للمواطن والمواطن ليس خصماً للطبيب. كلاهما في مواجهة منظومة تحتاج إلى إصلاح حقيقي. ومن يريد إصلاح الصحة فعليه أن يبدأ من الإنسان الذي يقف في قلبها. احموا الطبيب وقدروا علمه ووفّروا له أدواته وحاسبوا المقصر بعدل. لكن لا تجعلوا من الطبيب شماعة جاهزة لكل أزمة؛ فالطبيب الذي نحميه اليوم هو نفسه الذي سيحمي حياة المواطن غداً.
حفظ الله مصر جيشاً وشعباً وقيادة.

