أي حوار بين شخصين هذه الأيام يبرز الأسعار كعنصر ثالث، وأي تجمع بين الناس لا يخلو من الشكوى من غياب الحد الأدنى للحياة. حوادث القتل الجماعي في حلوان والتجمع، وانفجارات أسطوانات الهليوم في دار السلام، ومقتل أطفال كانوا يكافحون الغلاء بالعمل في المزارع تحت شمس أغسطس، وحفلات التحرش بالساحل، وبطء رد الفعل الرسمي على تساؤلات المواطنين وانتقال الدولة للعلمين، والفيديوهات الصادمة..
ما هذا التسيب؟ إقامة حفلات في الساحل الشمالي والعلمين لمطربين بأسعار تصل إلى 260 ألف جنيه للتذكرة، بينما يعاني عامة الناس من ظروف قاسية. لقد عدنا لعصر الإقطاع لكن بصورة حديثة..
هناك من يمتلكون قصورًا وفللًا ومنتجعات تصل قيمتها إلى 500 مليون جنيه وأكثر، وأبناؤهم ينفقون ببذخ. ناهيك عن الصور المستفزة لأهل القاهرة على الشواطئ، وما حدث مع مدرب المنتخب على يد زوجتيه..
أحوال الناس ومزاجهم العام تنذر بإشارات خطر يستغلها ببراعة كل كارهي هذا البلد. هناك حالات تسخين وقلق وتوتر لا تغيب عن أي مراقب أو مسؤول لديه الحد الأدنى من الحس السياسي..
مقتل شهداء لقمة العيش على الطرق وعمالة الأطفال مقابل حفلات من يُطلق عليهم -أو هم من يوصفون بأنفسهم- بالمشاهير أصبحت مستفزة. أفراحهم باتت مجرد مظاهر فارغة. نساؤهم شبه بعض.. شد ونفخ وعري وروائح المال السائب وغسيل الأموال تزكم السوشيال ميديا..
الحكايات المصورة مما يُسمى بالساحل الشرير وأسعاره وحفلاته تؤصل لنمط الطبقة الجديدة في مصر. حادث التجمع يعكس حجم الغضب الطبقي، وواقعة رقص الطبيبة والاحتفاء بها تثير التساؤلات: ماذا جرى لمصر خلال العشر سنوات الأخيرة حتى أصبح ما كنا نستحي منه بالأمس مادة للاحتفاء والنجومية اليوم؟
إلى كل من يعنيه أمر هذا البلد: نحن لا نناقش أزمة عابرة.. نحن نعيش انهيارًا كاملًا يدفع ثمنه من لا ذنب له سوى أنه مصري. فمنذ 2016 اتخذت قرارات اقتصادية متتالية كانت نتيجتها انهيار قيمة العملة وتآكل مدخرات الناس وارتفاع الأسعار بصورة جنونية وتضخم أقساط الديون وفوائدها ورفع الدعم تدريجيًا، بينما دخل أغلب المواطنين لم يتحرك بأي نسبة قريبة مما حدث.
ببساطة: المواطن الذي ادخر حصيلة شغل عمره بالجنيه وجد قيمة مدخراته تتآكل أمام عينيه، والذي يعيش على راتب أو معاش وجد قدرته الشرائية تنهار. وفي النهاية هو المطلوب منه دائمًا أن يتحمل المزيد لأن الإصلاح الاقتصادي لم ينتهِ بعد.
قد تكون لدى الدولة مبررات قانونية واقتصادية مختلفة لكل مشروع وصفقة، لكن السياسة ليست قوانين وأرقام فقط. السياسة أيضًا هي الصورة التي تتكون في عقل المواطن عن دولته. وإذا استقرت هذه الصورة بهذا الشكل تصبح مشكلة سياسية خطيرة كان يجب على الدولة الانتباه لها بدلاً من التعامل معها باعتبار أن الناس لا يفهمون بوضوح تام..
الرضا العام عن السياسات الحكومية يقترب من الصفر.. الحكومة منعزلة تمامًا عن الشارع.. الحكومة مقتنعة أنها عظيمة وتعمل من أجل المواطن وتفعل ما تستطيع.. لكن لأنها ليست حكومة سياسية فلا يوجد اتصال جماهيري معها. ولا يوجد حزب حاكم حصل على الأغلبية فشكل الحكومة بنفسه وبقي متصلاً بالجماهير؛ حينها يمكنه إيصال انطباع الرأي العام للحكومة ويكون حريصًا على الاحتفاظ بالتأييد الجماهيري خشية الانتخابات القادمة.
هذا الأمر غير موجود.. بل خطوط الاتصال السياسي معزولة تمامًا.. ولذلك تعيش الحكومة في فقاعة ترى فيها الصورة وردية بينما المجتمع يعاني بوضوح نتيجة سياساتها!
وجزء كبير من المسؤولين يتحدث إلى المواطن من موقع فوقي: الدولة تعرف وأنت لا تعرف، الدولة تفهم وأنت لا تفهم، الدولة تقرر ثم يأتي دورك في السمع والتنفيذ. ومن يمثلون المعارضة المنظمة الوحيدة وهم الإخوان يتسمون بالغل والتمترس ويخلطون بين كراهيتهم للنظام ورغبتهم في خراب الوطن.
مصر بالفعل في مأزق شديد، وكل شخص موضوعي يكاد يجد نفسه مؤذنا في مالطة بين هؤلاء وأولئك والأغلبية الصامتة المطحونة بلقمة العيش! والأخطر من الفقر نفسه هو أن يصبح الاعتماد على المساعدات أسلوب حياة دائم بدل أن تكون شبكة أمان مؤقتة لمن يحتاجها بالفعل.
المجتمعات القوية هي التي توفر للناس فرصة العمل الكريم والاعتماد على أنفسهم مع وجود دعم اجتماعي يحفظ كرامة العاجز والمحتاج. الاقتصادات التي تواجه ضغوطًا مالية لا تعالج أزماتها بمزيد من الإنفاق غير المنتج وإنما بإعادة ترتيب الأولويات بما يخلق قيمة مضافة ويوفر العملة الصعبة ويحقق نموًا مستدامًا.
الأولوية اليوم يجب أن تكون لتوليد النقد الأجنبي وتعميق الصناعة وزيادة الإنتاج ودعم الصادرات وجذب استثمارات إنتاجية حقيقية وليس التوسع في مشروعات تزيد الضغوط على المالية العامة والعملة والتضخم.

