تتصدر ظاهرة الارتفاع الحاد في درجات الحرارة في أوروبا عناوين الصحف ووسائل الإعلام الغربية، حيث تشير التوقعات إلى أن أكثر من 135 مليون شخص في مختلف أنحاء القارة سيعانون من درجات حرارة تتجاوز 35 درجة مئوية اليوم، مع استمرار موجة الحر القاسية التي تضغط على السلامة العامة والبنية التحتية.

أكدت صحيفة “لو فيجارو” الفرنسية أن موجة الحر الحالية، التي تدخل يومها السابع عشر، أصبحت تُصنف رسميًا كأطول فترة مسجلة لدرجات الحرارة القصوى في تاريخ فرنسا.

وذكرت الصحيفة أن موازين الحرارة سجلت 38 درجة مئوية في مدينتي بوردو ونانت، و36 درجة في العاصمة باريس، و34 درجة في مونبلييه، مع توقعات بانخفاض تدريجي للحرارة بحلول عطلة نهاية الأسبوع.

بريطانيا تعلن حالة الطوارئ وتسجل أحر أيام السنة

في المملكة المتحدة، أفادت وكالة الأنباء البريطانية “بي إيه” بأنه تم توسيع نطاق التحذير البرتقالي النادر الخاص بـ “الحرارة الشديدة” ليشمل مناطق شمال غرب إنجلترا، بما فيها أجزاء من تشيشاير ومانشستر الكبرى، بالإضافة إلى جلوسيسترشاير وويلتشاير وشروبشاير وهيرفوردشاير.

وتأتي هذه الخطوة بالتزامن مع تسجيل البلاد أحر يوم لها هذا العام حتى الآن، حيث أشار مكتب الأرصاد الجوية البريطاني إلى تجاوز الحرارة حاجز 30 درجة مئوية في العديد من المحطات قبل الساعة الحادية عشرة صباحًا.

تحذيرات علمية قوية: الأسوأ لم يأت بعد

وسط هذه الموجة غير المسبوقة، نقلت جريدة “ذا جارديان” البريطانية تصريحات عن السير ديفيد كينج، كبير المستشارين العلميين السابق للحكومة البريطانية ورئيس “المجموعة الاستشارية لأزمة المناخ”، الذي حذر من أن ما تشهده أوروبا هو مجرد بداية لواقع مناخي أكثر خطورة.

وأكد كينج أن موجة الحر الحالية تمثل الشكل الجديد للمناخ وأنه لا يمكن الفصل بين الاقتصاد والمناخ. وأوضح أن أي خطة نمو لا تأخذ بعين الاعتبار المناخ ستؤدي حتمًا إلى تقويض المستقبل والاقتصاد معًا.

وأضاف أنه كثيرًا ما يُقال إن الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية مكلف للغاية، وأن التركيز يجب أن يكون أكثر على الوظائف والاقتصاد وأقل على المناخ. وأكد أنه لا يمكن فصل هذين الأمرين وأن أي خطة نمو لا تضع المناخ في المقام الأول لن تؤدي إلا إلى تقويض المستقبل الذي تدعي حمايته.

نطاق جغرافي واسع وأرقام صادمة للمتأثرين

بحسب تقرير نشرته وكالة “فرانس برس” استنادًا إلى بيانات خدمة الأرصاد الجوية الألمانية ومنظمة “لوحة بيانات المناخ” النمساوية، فإن أزمة الحرارة تتسع لتشمل الغالبية العظمى من سكان القارة الأوروبية.

تشير البيانات إلى أن درجات الحرارة تتجاوز 30 درجة مئوية لما يقرب من ثلاثة من كل خمسة من سكان أوروبا (حوالي 340 مليون شخص)، بينما يواجه 135 مليون شخص – خاصة في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والمملكة المتحدة – درجات حرارة قياسية تتعدى 35 درجة مئوية.

تشير دراسة مجموعة “وورلد ويذر أتريبيوشن” إلى أن ارتفاع درجات الحرارة الناجم عن تغير المناخ يسرع فقدان الرطوبة من تربة أوروبا وبحيراتها وأنهارها، ما يزيد مخاطر حدوث موجات جفاف أكثر حدة.

كما أفادت الدراسة بأن الجفاف الحالي لا يرتبط فقط بشح الأمطار بل أيضًا بارتفاع حرارة الغلاف الجوي الذي يزيد العجز الرطوبي في التربة.

انحسار مياه الأنهار

وكشفت صور أقمار صناعية عالية الدقة أعدتها شركة “بلانت” الأمريكية عن تغيرات بصرية توثق انحسار مياه أنهار كبرى وتراجع رطوبة التربة واصفرار المساحات الخضراء في عدة مدن. حيث أظهرت الصور تغيرات شكل مجرى نهر اللوار قرب مدينة سومور الفرنسية خلال أغسطس بين أعوام 2023 و2026، مشيرةً إلى تحول مساحات زراعية محيطة به إلى درجات بنية وباهتة.

وفي ألمانيا، تظهر المقارنات الفضائية اتساع المساحات الرملية والحصوية المكشوفة داخل مجرى الراين بين مطلع مايو الماضي و29 يوليو 2026؛ حيث وصلت مستويات النهر إلى مستويات منخفضة قياسية مما أدى إلى اضطرابات مباشرة في حركة الشحن وفق وكالة “رويترز”.