خدمة المرأة لزوجها من طبخ وغيره – قراءة فقهية أصولية مقاصدية، ونظرة في الواقع المعيش.

لقد شاع في الآونة الأخيرة الجدل حول مسألة خدمة المرأة لزوجها، حيث انقسمت الآراء بين مؤيدين ومعارضين. ومن هنا، أرى أن المسألة تتطلب دراسة متعمقة في تراثنا الفقهي، بالإضافة إلى النظر في القواعد المرعية السنية التي تستند إلى صحيح المنقول وصريح المعقول، مع الأخذ بعين الاعتبار الواقع المعيش.

بادئ ذي بدء، يمكن القول إن الرأي القائل بعدم وجوب خدمة المرأة لزوجها يتبناه اليوم طائفتان: الأولى تضم دعاة خارج ملة الإسلام أو مسلمون تأثروا بالثقافة الغربية الليبرالية. هؤلاء يدفعهم الفكر النسوي المتطرف الذي نشأ في الغرب خلال القرن التاسع عشر وانتشر في بقية العالم. تسعى هذه الحركة إلى كسر قوامة الرجل على المرأة والدعوة إلى المساواة المطلقة بين الجنسين، بل وزيادة حقوق المرأة على حساب الرجل وزوجها. وقد ساعدت الحركة النسوية بعض أبناء الأمة الإسلامية بغفلة منهم لتحقيق أجندتها من خلال البحث والتنقيب في المدونات الفقهية عن آراء شاذة تدعم مواقفهم. أما الطائفة الثانية فهي تضم علماء وفقهاء مسلمون، لا نشك في تدينهم وورعهم، والذين لم يجروا فيما قالوه مجرى التنظير الليبرالي بل اجتهدوا وفقًا لمبادئهم الدينية.

لا خلاف بين الفقهاء في مشروعية خدمة المرأة لزوجها وأن ذلك أفضل لها. وقد نص على هذا الاتفاق عدد من العلماء مثل الإمام الكاساني الحنفي والإمام المواق المالكي والإمام النووي الشافعي والإمام ابن قدامة الحنبلي والإمام ابن حزم الظاهري. ومع ذلك، اختلفوا حول وجوب الخدمة من حيث طبخ وغسل الثياب وغيرها.

وقد انقسم الفقهاء إلى قولين: الأول يقول بعدم وجوب خدمة المرأة لزوجها، وهو ما ذهب إليه عدد من الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة وأهل الظاهر مثل ابن حزم الذي اعتبر إلزام الرجل لزوجته بخدمته بدعة. ومن أبرز أدلتهم أن عقد النكاح هو للاستمتاع وليس للاستخدام.

أما القول الثاني فهو وجوب خدمة المرأة لزوجها بالمعروف، وهذا ما ذهب إليه جمع من السلف والخلف مثل الإمام أبو ثور البغدادي وعدد من الحنفية والمالكية. وقد أكد بعض العلماء أن هذه الخدمة تُعتبر “الخدمة الباطنة” التي يجب على الزوجة القيام بها.

من الأدلة التي تدل على وجوب الخدمة هي قوله تعالى: “ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف” (البقرة: 228)، حيث يُفهم أن المعروف هنا يشمل خدمة الزوجة لزوجها. كما أن قوله تعالى: “الرجال قوّامون على النساء” (النساء: 34) يُشير إلى مسؤوليات الرجل تجاه زوجته والتي تتضمن أيضًا حقه عليها في الخدمة.

من السنة النبوية نجد عدة أدلة تدعم هذا الرأي، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: “لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها”. كما كان النبي يُحث زوجاته على خدمته ويُظهر الاحترام لدورهن.

في النهاية، يمكن القول إن القول بوجوب خدمة المرأة لزوجها هو الرأي الراجح بناءً على الأدلة الشرعية والعرف السائد. ومع ذلك يجب على الزوج أن يتعامل مع زوجته برفق ولطف ولا يُرهقها بأعباء كبيرة، بل ينبغي أن يتعاون معها في الأعمال المنزلية اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يساعد أهله ويقوم بخدمتهم.