ألقى الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، خطبة الجمعة بالجامع الأزهر بعنوان «فلسفة القوة والضعف في سياق بناء الإنسان»، حيث تناول المفهوم الإسلامي للقوة، موضحًا أنها ليست مجرد قدرة مادية أو غلبة، بل هي منظومة قيمية وأخلاقية تساهم في بناء الإنسان والمجتمع.
وأوضح أن فلسفة القوة والضعف تنطلق من أصلين؛ الأول هو الأصل الغيبي الذي يذكر الإنسان ببداية خلقه ووجوده الأول في عالم الغيب، مما يغرس في النفس حقيقة الافتقار إلى الله تعالى. أما الثاني فهو الأصل المادي الذي يتمثل في ظهور الإنسان إلى عالم الشهادة وتكليفه بعمارة الأرض وفق منهج الله، وهو ما يرسخ التوازن بين القوة المادية والقوة الإيمانية والأخلاقية.
وأكد أن الرسالة الأولى تتمثل في أن صاحب المظلمة هو القوي في ميزان الإسلام؛ إذ جعلت الشريعة القوة في نصرة الحق ورد المظالم، لا في التعدي على حقوق الآخرين. واستشهد بما جاء عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه في أول خطبة له: «القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه».
وأشار إلى أن الرسالة الثانية تؤكد أن العفو والرحمة والتواضع ليست مظاهر ضعف، بل هي من أعظم صور القوة. واستشهد بقوله تعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾، وقوله سبحانه: ﴿أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾، مبينًا أن الذل للوالدين واللين للمؤمنين والعفو عند المقدرة كلها صور للقوة الأخلاقية التي تبني الإنسان وتسمو به.
وأضاف أن الرسالة الثالثة تؤكد اتساع مفهوم القوة في الإسلام ليشمل الرحمة بالحيوان والرفق بالضعفاء. موضحًا أن الشريعة جعلت الرحمة خلقًا عامًا يمتد إلى جميع المخلوقات، وأن المجتمع الذي يرحم ضعفاءه هو مجتمع يملك أسباب القوة والاستقرار.
وأكد أن الرحمة والتكافل هما روح القوة في بناء الأوطان، وأن المجتمعات لا تنهض بالقوة المجردة، وإنما بما يسودها من تعاون وتراحم وعدل وصيانة لكرامة الإنسان. مشيرًا إلى أن بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان الواعي القادر على الجمع بين قوة الإيمان وحسن الخلق والعمل النافع بما يحقق الخير والاستقرار للمجتمع بأسره.

