لم تتخيل سناء محمد، والدة الشاب كريم عبد الفتاح، أن يصبح حلم نجلها الذي عمل من أجله طوال الفترة الماضية مجرد حكاية ترويها وهي تبكيه، بعدما خطفه حادث الإسماعيلية قبل أن يبدأ أولى خطواته نحو المستقبل الذي طالما تمناه.

حادث طريق الدواويس بالإسماعيلية

تجلس الأم المكلومة أمام حقيقة قاسية؛ نجلها الذي كانت تراه يكافح من أجل التعليم ويعمل في الوقت نفسه لتوفير نفقاته، رحل فجأة، تاركًا وراءه أحلامًا لم تكتمل وقلب أم لا يزال يبحث عن ابنها بين الذكريات.

وتروي سناء لـ”مصراوي”: أن كريم كان ينتظر نتيجة الثانوية الأزهرية التي ظهرت قبل نحو أسبوعين، وكان يشعر بسعادة كبيرة بعدما اقترب حلمه من التحقق، إذ كان يطمح إلى الالتحاق بكلية التجارة ومواصلة تعليمه رغم الظروف المادية الصعبة التي كانت تحيط به.

لم يكتفِ كريم بالدراسة، بل قرر أن يساعد نفسه وأسرته، فكان يعمل باليومية مقابل نحو 200 جنيه في اليوم، ويقتطع جزءًا من أجره ويدخره حتى يتمكن من تدبير مصاريف دراسته الجامعية.

كان الشاب يرى في العمل طريقًا إلى حلمه، وفي التعليم فرصة لصناعة مستقبل أفضل، فجمع بين مشقة العمل وأمل الدراسة دون أن يتخلى عن هدفه في إكمال تعليمه وشق طريقه في الحياة.

لكن الرحلة التي خرج فيها بحثًا عن لقمة العيش كانت الأخيرة؛ إذ لقي كريم مصرعه في حادث التصادم الذي وقع بين سيارتي نقل العمال بطريق “الدواويس” في مركز القصاصين بمحافظة الإسماعيلية.

تحاول الأم المكلومة أن تتمسك بالصبر أمام فقد نجلها، مرددة كلمات تختصر حجم الانكسار الذي تعيشه: “احتسبته عند الله وقلت عوضي عليك يا رب”.

وفي قرية الملاك التابعة لمركز أبو حماد بمحافظة الشرقية، لم يكن كريم وحده الذي رحل، إذ فقدت القرية عددًا من أبنائها في الحادث لتعيش الأسر واحدة من أصعب لياليها.

وأقيم عزاء جماعي لضحايا القرية، اجتمع فيه الأهالي لتقديم واجب العزاء بعدما أصبح الحزن مشتركًا بين عائلات فقدت أبناءها وأقاربها في الحادث نفسه.

كما شيّع المئات من أهالي مركزي أبو حماد والحسينية جثامين الضحايا وسط حالة من الصدمة والحزن، حيث احتشد الأهالي والأقارب والأصدقاء لتوديع أبنائهم، بينما علت أصوات الدعاء وتواصلت مشاهد البكاء أمام جثامين شباب خرجوا من منازلهم بحثًا عن العمل فعادوا إليها جثامين.

وكان حادث التصادم بين سيارتي نقل العمال بطريق «الدواويس» قد أسفر عن وفاة 19 شخصًا وإصابة 32 آخرين، معظمهم من عمال اليومية، ما خلّف حالة واسعة من الحزن بين أسر الضحايا والمصابين.

بينما تستقبل قرية الملاك واجب العزاء في أبنائها، تبقى قصة كريم مختلفة في تفاصيلها؛ شاب لم يكن يطلب أكثر من فرصة لاستكمال تعليمه. عمل بيديه ليجمع ثمن حلمه لكنه رحل قبل أن يخطو أولى خطواته نحو كلية التجارة تاركًا لأمه حلمًا لم يكتمل وذكريات لا تعرف كيف تداوي وجعها.