بينما تستعد الدولة لتطبيق زيادات جديدة للعاملين اعتبارًا من أول يوليو 2026، تشمل زيادة مقطوعة قدرها 750 جنيهًا، وعلاوات دورية بنسبة 12% و15%، ورفع الحد الأدنى للأجور إلى 8000 جنيه، يواجه أصحاب المعاشات واقعًا مختلفًا، إذ لا تزيد الزيادة السنوية على 15% كحد أقصى، دون أي علاوة استثنائية أو غلاء معيشة.

تتجلى المفارقة بوضوح عندما نعلم أن الحد الأدنى للمعاش يبلغ 1755 جنيهًا فقط، أي نحو 22% من الحد الأدنى للأجور، مما يعني أن المتقاعد يفقد ما يقرب من ثلاثة أرباع دخله بمجرد انتهاء خدمته، رغم أن احتياجاته الصحية والمعيشية تكون في أشدها.

ومع استمرار التضخم وارتفاع الأسعار، تتآكل القوة الشرائية للمعاش عامًا بعد عام، بينما يحصل العاملون على زيادات متعددة تساعدهم على مواجهة أعباء المعيشة. يظل أصحاب المعاشات وحدهم في مواجهة الغلاء.

إذا كانت الدولة قد أحسنت إلى العاملين بهذه الحزمة الاجتماعية، فإن أصحاب المعاشات كانوا يأملون في حد أدنى من الإنصاف يتمثل في صرف علاوة غلاء معيشة لا تقل عن 400 جنيه شهريًا، مع زيادة استثنائية إضافية بنسبة 5% تتحملها الخزانة العامة، حتى لا تتسع الفجوة بينهم وبين العاملين.

عندما يطالب أصحاب المعاشات بدعم من ميزانية الدولة، فهم لا يطلبون منحة بل حقوقهم التاريخية. فقيود الاستثمار القانونية المجحفة والتي لا تخضع لقواعد الاستثمار الرشيد تعمل على تآكل أموالهم. حيث يلزم قانون التأمينات الاجتماعية رقم 148 لسنة 2019 الهيئة باستثمار نحو 75% على الأقل من أموال التأمينات في أذون وسندات الخزانة، إلى جانب 20% كودائع قصيرة الأجل لضمان السيولة، و5% يتم توجيهها للمساهمة في الشركات وإدارة محفظة استثمارية.

بينما متوسط النسبة العالمية لاستثمار أموال صناديق التأمين الاجتماعي في أدوات الدين تتراوح بين 40% و50%، والباقي تستثمره الصناديق بمعرفتها مع التركيز على توجيه الاستثمارات للمساهمة في الشركات وإدارة محفظة استثمارية بهدف تعظيم عائد الاستثمار.

<pليتعاظم الاحتياطي النقدي بما يمكن الصناديق من تحسين قيمة المعاشات وزياداتها ورفع الحد الأدنى للمعاش وتقديم خدمات اجتماعية وصحية لائقة للمؤمن عليهم.

ومن الأمور المجحفة أيضًا أن الخزانة العامة تسدد حاليًا قسطًا سنويًا بزيادة مركبة تبلغ 7% لسداد مديونيتها للتأمينات (والتي بدأت بـ898 مليار جنيه منذ يناير 2020)، بينما الدولة ذاتها تقترض من البنوك التجارية بمتوسط فائدة يصل إلى 17%. مما يعني أن أموال أصحاب المعاشات هي الممول الأقل تكلفة للموازنة العامة.

يوماً ما كانت المعاشات أكبر احتياطي نقدي في مصر ساهم في عدة مشروعات مهمة. وأيامها عرضت التأمينات والمعاشات شراء القطاع العام كاملاً بمبلغ ملياري جنيه، رغم أن السعر المعروض لشرائه من اللهو الخفي كان مليار وسبعمائة مليون جنيه فقط. ومع ذلك تم رفض عرض المعاشات وتم بيع القطاع العام للهو الخفي المعروف.

كان يمكن تحقيق فوائض مالية كبيرة تحفظ لأصحاب المعاشات الحد الأدنى لحقوقهم. كما أن استمرار الشكاوى من تراجع مستوى الخدمات التأمينية وتعطل إنجاز معاملات المواطنين في ظل تشغيل منظومة إلكترونية لا تزال تواجه صعوبات يستوجب سرعة التدخل وتشكيل لجنة مستقلة لتقصي الحقائق والاستماع إلى أصحاب المعاشات والمؤمن عليهم وصولاً إلى حلول عملية تحفظ حقوقهم.

وهكذا فإن المعاش حق تأميني وليس منحة. وإنصاف أصحاب المعاشات ليس عبئًا على الدولة بل واجب دستوري وأخلاقي ورسالة وفاء لمن أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن.