تحتفظ طاحونة أبو شاهين الأثرية بمدينة رشيد بمكانة تاريخية متميزة، حيث تُعد أحد العناصر المعمارية الأساسية في مشروع إحياء المدينة التاريخية. يهدف المشروع إلى استعادة الطابع العمراني والحضاري لمدينة رشيد والحفاظ على هويتها التراثية، تنفيذًا لخطة الدولة لتحويلها إلى مقصد سياحي وتراثي عالمي.
طاحونة أبو شاهين: رمز تاريخي في رشيد
تعتبر الطاحونة اليوم شاهدًا على حقبة مهمة من تاريخ رشيد، إذ صمد مبناها ومكوناتها أمام الزمن لتكشف للأجيال كيف كانت تتم عملية طحن الغلال قبل ظهور الآلات الحديثة. كما ارتبطت الطاحونة بنظام الوقف والإنفاق على المنشآت الدينية.
تعود قصة طاحونة أبو شاهين إلى النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري، الموافق للقرن الثامن عشر الميلادي، عندما أنشأها عثمان أغا الطوبجي، قائد المدفعية بالحامية العثمانية في رشيد، وخصصها لطحن الغلال باستخدام الدواب.
تشير الروايات التاريخية إلى أن عثمان أغا كان قد لاحظ تدهور أحوال المسجد المحلي وحاجته إلى موارد مالية للصيانة والعناية، فأنشأ الطاحونة وخصص جزءًا من ريعها للإنفاق على المسجد، مما جعلها منشأة اقتصادية ترتبط بالحفاظ على أحد أبرز مساجد المدينة.
يوضح الأثري أحمد حبالة، مدير تفتيش آثار رشيد، أن هذا النوع من الطواحين كان منتشرًا في المدينة خلال تلك الفترة. وكانت الطواحين إما تلحق بالمنازل أو تقام بشكل مستقل. اعتمدت طواحين الأغنياء على الحيوانات في تشغيلها، بينما استخدمت طواحين الفقراء سواعد الرجال، لتظل طاحونة أبو شاهين واحدة من النماذج الباقية التي توثق هذه الصناعة القديمة.
تطل الواجهة الرئيسية للطاحونة على شارع الأمصيلي، وتغلق بواسطة باب خشبي ذو مصراعين يعلوه منور من المصبعات الحديدية. يقود المدخل إلى دركاة تضم مسطاحين كانا يستخدمان لوضع الحبوب وتجفيفها قبل عملية الطحن. تعلو المسطاح الغربي حجرة مخصصة لإقامة الطحان، ويمكن الوصول إليها عبر سلم من المدار الغربي.
كما يوجد سلم آخر بالمدار الشرقي يؤدي إلى سطح الطاحونة، ومن خلالهما يمكن الوصول إلى المدارين اللذين يضمان طاحونتين كاملتي العدة والآلة.
آلية عمل الطاحونة
تتكون الطاحونة من مدارين شرقي وغربي، ويضم كل مدار حجرًا مستديرًا به فتحة في المنتصف موضوعًا فوق قاعدة ثابتة ذات حافة بارزة لحجز الحجر. يتصل الحجر العلوي بمنظومة من العجلات والتروس الخشبية التي تنقل الحركة الناتجة عن دوران الحيوان المستخدم في التشغيل إلى أحجار الطحن. بينما تحمل “الجايزة” – وهي خشبة مستعرضة – أجزاء الطاحونة وتتصل بـ”الهرميس” الذي يوضع على رقبة الحصان أو الثور لتحريك الطاحونة.
تميزت الطاحونة بوجود قادوسين منفصلين مما يسمح بطحن نوعين من الحبوب في الوقت نفسه مع إمكانية التحكم في درجة نعومة أو خشونة الدقيق.
إسطبل للدواب وحجرة للطحان
لم تكن الطاحونة مجرد غرفة تضم أحجار الطحن؛ بل احتوت أيضًا على مجموعة من العناصر المرتبطة بعملية التشغيل. فقد ضمت حجرة لمبيت الطحان وإسطبل لإقامة البغال التي تدير الطواحين، بالإضافة إلى أماكن مخصصة لوضع العلف والماء وأماكن أخرى لتجفيف الحبوب قبل طحنها.
كانت الطاحونة تعمل طوال أيام الأسبوع باستثناء يوم الجمعة الذي كان مخصصًا لراحة الطحان والدواب وإجراء أعمال الصيانة وتنظيف أحجار الطحن من بقايا الحبوب والدقيق.
سبب تسمية الطاحونة باسم أبو شاهين
رغم أن عثمان أغا هو منشئ الطاحونة، فإن اسم “أبو شاهين” ارتبط بآخر شخص عمل بها قبل توقفها. توضح الروايات الأثرية أن إطلاق أسماء آخر العاملين أو المالكين على المنشآت كان أمرًا شائعًا في رشيد مما يفسر ارتباط اسم أبو شاهين بالطاحونة كآخر طحان تولى العمل بها.
تكشف الطاحونة عن جانب مهم من خصوصية العمارة الرشيدية حيث استخدم في بنائها الطوب المنجور الذي اشتهرت به المدينة خلال تلك الفترة. وقد تم حرقه بدرجة معينة ليكتسب اللونين الأسود والأحمر مع استخدام مادة “القصرمل” وهي خليط من الجير والحمرة والسرسة. كما استخدمت الميد الخشبية داخل الجدران للحد من التصدعات والشروخ ودعمت الأسقف بالصواري الخشبية.
تفاصيل أثرية وحماية للدواب
ومن التفاصيل اللافتة داخل الطاحونة وجود أعمدة رخامية داخل الإسطبل يُرجح أنها أعمدة أعيد استخدامها من مبانٍ أو معابد مهدمة تعود لعصور سابقة وربما بعضها يعود للعصر البيزنطي. كما نفذت فتحتان معقودتان بالمدارين يرتكز عقد كل منهما على عمودين رخامين وكانتا مخصصتين لجلوس السايس المشرف على تشغيل الطاحونة. كما نفذت أيضًا حنايا ضحلة في الجدران المحيطة بالمدارين لمنع احتكاك الحيوانات بالجدران أثناء دورانها وتشغيل آلية الطحن.
من طحن الغلال إلى شاهد على تاريخ رشيد
ارتبطت الطاحونة لسنوات طويلة بالحياة اليومية لأهالي رشيد إذ كانت الغلال تصل إليها ليجري طحنها مقابل أجر يدفع نقدًا أو بنظام المقايضة عبر الحصول على جزء من الحبوب أو المحاصيل. ومع ظهور الآلات الحديثة وتطور وسائل الطحن توقفت العمل بالطاحونة لكن المبنى ومكوناته بقيا شاهدين على مرحلة مهمة من تاريخ الصناعة والحياة اليومية في رشيد لتحول بذلك منشأة تؤدي وظيفة اقتصادية إلى أثر يحكي تفاصيل زمن كامل.
طاحونة أبو شاهين ومشروع إحياء رشيد
تحظى طاحونة أبو شاهين بالعناية ضمن جهود الحفاظ على المقومات التراثية لمدينة رشيد التي تضم مجموعة استثنائية من المنشآت التاريخية. تعدّ الطاحونة جزءًا من مجموعة الأمصيلي التي تضم منزل الأمصيلي ومنزل حسيبة غزال والطاحونة ذاتها. بالإضافة إلى العناية بمبنى الطاحونة شملت الأعمال تطوير واجهات العمارات المحيطة بألوان موحدة تتناسب مع التراث المعماري للمدينة وتنفيذ نموذج موحد لواجهات المحال التجارية وتوحيد تصميمات اللافتات والإعلانات لتحقيق مظهر حضاري متناسق يعكس الهوية التاريخية والجمالية لرشيد.
أكدت الدكتورة جاكلين عازر أن مشروع إحياء مدينة رشيد يحظى باهتمام كبير من الدولة نظرًا لما تمثله المدينة من قيمة تاريخية وحضارية فريدة مشيرةً إلى أن أعمال التطوير تستهدف الحفاظ على الهوية المعمارية المميزة بالتوازي مع تطوير البنية التحتية والخدمات مما يعزز مكانة رشيد كواحدة من أبرز الوجهات التراثية والسياحية في مصر ويدعم جهود التنمية المستدامة بمحافظة البحيرة.

