لم يكن تأخر نمو صناعة التأمين في وسط أفريقيا نتيجة عامل واحد، بل جاء نتيجة تداخل عوامل تاريخية واقتصادية وسياسية واجتماعية امتدت لعقود طويلة.
فبعد حصول معظم دول الإقليم على استقلالها خلال ستينيات القرن الماضي، واجهت تحديات كبيرة تمثلت في ضعف المؤسسات الحكومية، وتكرار الاضطرابات السياسية، والنزاعات المسلحة في بعض الدول، إضافة إلى محدودية الاستثمارات في القطاعات المالية. ونتيجة لذلك، انصبت أولويات الحكومات على إعادة بناء الدولة وتوفير الخدمات الأساسية، بينما ظل تطوير قطاع التأمين في مرتبة متأخرة.
كما أن الطبيعة الاقتصادية للمنطقة لعبت دوراً مهماً في هذا التأخر، إذ يعتمد جزء كبير من السكان على الزراعة التقليدية أو الاقتصاد غير الرسمي، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على المنتجات التأمينية التقليدية، سواء للأفراد أو للمشروعات الصغيرة.
ومن العوامل المؤثرة أيضاً انخفاض مستويات الدخل، حيث كان كثير من المواطنين يعتبرون التأمين خدمة غير ضرورية مقارنة بالاحتياجات الأساسية، بينما لم تتمكن الشركات من تصميم منتجات منخفضة التكلفة تناسب هذه الشرائح.
إلى جانب ذلك، ساهم ضعف الثقافة التأمينية في الحد من انتشار القطاع. ففي كثير من المجتمعات، كان الاعتماد الأكبر على شبكات التضامن العائلي أو المجتمعي عند وقوع الأزمات، وهو ما قلل من الإقبال على شراء وثائق التأمين.
كذلك واجهت شركات التأمين تحديات تتعلق بنقص الكوادر المؤهلة، وضعف البيانات الإحصائية اللازمة لتسعير الأخطار، وارتفاع تكاليف التشغيل، مما جعل العديد من الشركات تركز على تأمين الشركات الكبرى والجهات الحكومية بدلاً من التوسع في تأمين الأفراد.
ورغم هذه التحديات، فإن معظمها بدأ يتراجع تدريجيًا خلال العقد الأخير مع تحسن الاستقرار النسبي في عدد من الدول، وارتفاع الاستثمارات الأجنبية، وتطور وسائل الدفع الإلكتروني، وبدء الحكومات في تبني برامج للشمول المالي.
حجم سوق التأمين في وسط أفريقيا
تتركز غالبية أقساط التأمين في المنطقة في عدد محدود من الدول، وفي مقدمتها الكاميرون وجمهورية الكونغو الديمقراطية والجابون. وفيما يلي أهم الأرقام التي تعكس نشاط السوق:.
- يبلغ إجمالي سوق التأمين في وسط أفريقيا حوالي 1.1 مليار دولار.
- نسبة انتشار التأمين لا تتجاوز 0.7% ، ويمتلك السوق إمكانيات هائلة للنمو خاصة مع تزايد التحضر وتطور البنية التحتية.
- تشكل أقساط التأمين الممتلكات (مثل تأمين السيارات والممتلكات) النسبة الأكبر من السوق بينما لا يزال تأمين الحياة محدوداً.
- السوق مركّز بشكل كبير حيث تستحوذ الكاميرون وجمهورية الكونغو الديمقراطية والغابون على النصيب الأكبر من الأقساط.
كيف ساهمت التجمعات الاقتصادية والتنظيمية في تطوير سوق التأمين؟
إذا كان التاريخ قد أسهم في إبطاء نمو صناعة التأمين في وسط أفريقيا فإن أحد أهم أسباب التحول خلال العقدين الأخيرين يتمثل في الدور الذي لعبته التجمعات الاقتصادية والتنظيمية الإقليمية التي أدركت أن وجود سوق تأمين قوية لا يقل أهمية عن تطوير البنوك أو أسواق المال.
ويأتي في مقدمة هذه المنظومات المؤتمر الأفريقي لأسواق التأمين (CIMA) الذي يضم عدداً من الدول الناطقة بالفرنسية في غرب ووسط أفريقيا ويُعد من أكثر التجارب التنظيمية نجاحاً في القارة. فقد أسهم هذا الإطار الموحد في توحيد القواعد المنظمة لعمل شركات التأمين ووضع معايير موحدة للملاءة المالية وتنظيم عمليات الترخيص والرقابة وحماية حقوق حملة الوثائق. وقد أدى توحيد التشريعات إلى منح المستثمرين قدر أكبر من الثقة إذ أصبح بإمكان شركات التأمين العمل في أكثر من دولة وفق إطار قانوني متقارب بدلاً من التعامل مع أنظمة مختلفة لكل سوق.
كما لعبت المجموعة الاقتصادية والنقدية لوسط أفريقيا (CEMAC) دوراً مكملاً عبر تعزيز التكامل الاقتصادي بين دول الإقليم وتيسير حركة رؤوس الأموال والاستثمارات بما انعكس تدريجياً على قطاع الخدمات المالية ومن بينها التأمين.
ورغم استمرار وجود تحديات تتعلق بسرعة تنفيذ الإصلاحات واختلاف القدرات الاقتصادية بين الدول فإن التجربة التنظيمية المشتركة تُعد أحد أهم الأسباب التي دفعت المؤسسات الدولية إلى إعادة تقييم أسواق وسط أفريقيا باعتبارها أكثر تنظيماً مما كانت عليه قبل عقدين.
لماذا بدأت شركات إعادة التأمين تهتم بالإقليم؟
تاريخياً كانت شركات إعادة التأمين العالمية تنظر إلى وسط أفريقيا باعتبارها سوقاً صغيرة محدودة الأقساط وعالية المخاطر مما جعل وجودها يقتصر على بعض العمليات المرتبطة بالنفط أو التعدين أو النقل البحري. إلا أن هذه النظرة بدأت تتغير بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة لعدة أسباب:.
- التوسع الكبير في مشروعات البنية التحتية مثل إنشاء الطرق والموانئ وخطوط السكك الحديدية ومحطات الكهرباء وهي مشروعات تحتاج إلى تغطيات تأمينية ذات قيم مرتفعة لا تستطيع شركات التأمين المحلية الاحتفاظ بها بمفردها مما يزيد الاعتماد على إعادة التأمين.
- استمرار الاستثمارات الأجنبية في قطاعات النفط والغاز والتعدين وهي قطاعات تعتمد بشكل أساسي على برامج تأمين وإعادة تأمين متخصصة تشمل أخطار التشغيل والمسؤوليات والكوارث الطبيعية وتعطل الأعمال.
- التغيرات المناخية التي أدت إلى زيادة الاهتمام بإدارة المخاطر والكوارث وهو ما دفع شركات إعادة التأمين إلى تطوير نماذج جديدة لتقييم الأخطار في أفريقيا والاستثمار في تحسين قواعد البيانات الخاصة بالإقليم.
كما أن تحسن الأطر الرقابية في عدد من الدول منح شركات إعادة التأمين ثقة أكبر للتعامل مع الأسواق المحلية خاصة مع ارتفاع متطلبات الإفصاح والحوكمة والملاءة المالية.
ولا يقتصر دور شركات إعادة التأمين على توفير الطاقة الاستيعابية فقط بل يمتد إلى نقل الخبرات الفنية وتدريب الكوادر والمشاركة في تطوير المنتجات الجديدة ودعم عمليات التحول الرقمي مما يجعلها شريكًا رئيسيًا في نمو القطاع.
كيف تغيرت التشريعات؟
لم يكن من الممكن الحديث عن نمو حقيقي لصناعة التأمین دون تحديث البيئة التشريعية التي تعمل ضمن إطارها الشركات. فخلال السنوات الماضية بدأت العديد من دول وسط أفريقيا مراجعة قوانين التأمین بما يتوافق مع المعايير الدولية مع التركيز على رفع كفاءة الرقابة وتعزيز الاستقرار المالي للشركات.
وشملت الإصلاحات زيادة متطلبات رؤوس الأموال وتشديد معايير الملاءة المالية ووضع قواعد أكثر صرامة لحوكمة الشركات وإدارة المخاطر بما يضمن قدرة الشركات على الوفاء بالتزاماتها تجاه حملة الوثائق. كما اتجهت الجهات الرقابية إلى تطوير نظم الإشراف الإلكتروني وتحديث قواعد إعداد القوائم المالية وتعزيز الشفافية والإفصاح وهو ما ساعد تحسين ثقة المستثمرين والعملاء على حد سواء.
ومن التطورات المهمة أيضاً الاهتمام بحماية حقوق المؤمن لهم عبر وضع آليات أكثر وضوحاً لتسوية المنازعات وتسريع إجراءات صرف التعويضات ومراقبة جودة الخدمات المقدمة. ورغم أن مستويات التطبيق لا تزال متفاوتة بين دولة وأخرى فإن الاتجاه العام يشير إلى انتقال تدريجي من الأسواق التقليدية إلى أسواق أكثر تنظيماً وشفافية.
دور شركات الاتصالات في دعم صناعة التأمين بوسط أفريقيا
ربما يكون الانتشار الواسع للهاتف المحمول هو العامل الذي أحدث أكبر تحول مستقبل التأمین بوسط أفريقيا.
ففي مناطق كثيرة لا توجد فيها فروع مصرفية أو مكاتب لشركات تأمین أصبح الهاتف المحمول الوسيلة الرئيسية للوصول الخدمات المالية. وقد نجحت شركات الاتصالات بالتعاون مع شركات تأمین تقديم منتجات تأمينية بسيطة يمكن الاشتراك فيها وسداد أقساطها إلكترونياً عبر المحافظ الرقمية دون الحاجة زيارة أي فرع.
وأدى ذلك انخفاض تكلفة تقديم الخدمة وإتاحة التأمین لملايين المواطنين الذين لم تكن لديهم حسابات مصرفية خاصةً بالمناطق الريفية.
كما ظهرت برامج للتأمین متناهي الصغر تغطي أخطار محددة مثل الحوادث الشخصية أو العلاج الأساسي أو تأمین المحاصيل الزراعية مقابل أقساط شهرية منخفضة تناسب أصحاب الدخول المحدودة. ولم تقتصر الفائدة زيادة عدد العملاء بل امتدت تسريع عمليات تحصيل الأقساط وتقليل النفقات التشغيلية وتحسين إدارة البيانات مما ساعد شركات تأمین تحقيق كفاءة أكبر.

