توجد كلمات لا تُقال، لأنها قد تكون أقسى من أي حكم بالإعدام. ومن بين هذه الكلمات، تظل عبارة “مفيش دم” واحدة من أكثر الجمل قسوة على أسرة تقف أمام غرفة العناية المركزة، تترقب نجاة أب أو أم أو طفل، بينما يخبرها الطبيب أن الدقائق القادمة قد تصنع الفارق بين الحياة والموت.

المشكلة لم تعد مجرد نقص في أكياس الدم، بل أصبحت أزمة تمس كرامة الإنسان وحقه في العلاج. فمن غير المقبول أن تتحول أسرة المريض إلى فريق بحث يجوب المستشفيات وبنوك الدم، ويطلق الاستغاثات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويطرق كل باب أملاً في العثور على متبرع قبل أن يخسر أحد أحبائه.

الأخطر أن رحلة البحث نفسها أصبحت جزءًا من معاناة المرض. فبين مستشفى يطلب من الأسرة توفير الدم، وبنك دم يشترط وجود متبرعين، يجد المواطن نفسه يدور في دائرة مغلقة، بينما المريض ينزف، والوقت يمر، والأمل يتضاءل.

ولأن الأزمات دائمًا ما تخلق من يتاجر بها، فقد وجد بعض السماسرة في معاناة المرضى فرصة لتحقيق مكاسب غير مشروعة. يظهرون في أكثر اللحظات قسوة، ويعرضون المساعدة مقابل مبالغ باهظة، مستغلين خوف الأسر ولهفتها على إنقاذ ذويها. يتحول الألم إلى تجارة، والخوف إلى وسيلة للابتزاز، ويصبح الدم الذي خُلق لإنقاذ الحياة وسيلة لتحقيق الربح.

إن مجرد وجود وسطاء يستغلون احتياج المرضى، سواء من خلال السمسرة أو الادعاء بالقدرة على توفير متبرعين بصورة عاجلة، يكشف عن ثغرات يجب سدها سريعًا. فحياة الإنسان لا يجوز أن تكون مجالًا للمساومة ولا أن تصبح تجارة يدفع ثمنها من يقف على حافة الفقد.

وفي المقابل، لا يمكن تحميل المواطن وحده مسؤولية الأزمة. صحيح أن التبرع الطوعي المنتظم بالدم هو حجر الأساس لأي منظومة ناجحة وأن المجتمع مطالب بنشر هذه الثقافة، لكن مسؤولية الدولة أكبر. المطلوب هو بناء مخزون استراتيجي آمن وربط بنوك الدم إلكترونيًا وتطوير منظومة توزيع عادلة وسريعة والتوسع في مراكز الدم مع إحكام الرقابة لمنع أي استغلال أو تجاوز.

فالأطباء يؤكدون أن مرضى الأورام والثلاسيميا والفشل الكلوي إلى جانب ضحايا الحوادث والعمليات الجراحية الكبرى يعتمدون بشكل كامل على توافر الدم في اللحظة المناسبة. وهؤلاء لا يملكون رفاهية الانتظار حتى يتم العثور على متبرع أو تنتهي الإجراءات الإدارية.

كما أن تشجيع التبرع بالدم يجب ألا يقتصر على الحملات الموسمية أو المناسبات بل ينبغي أن يتحول إلى ثقافة مجتمعية دائمة مدعومة بخطط توعية مستمرة لأن كل كيس دم قد يكون سببًا في إنقاذ أكثر من حياة.

إن الدول تُقاس بقدرتها على حماية مواطنيها في لحظات الضعف ولا توجد لحظة أضعف من مريض ينتظر كيس دم ليواصل الحياة. لذلك فإن تطوير منظومة الدم لم يعد رفاهية بل أصبح جزءًا من الأمن الصحي ومن حق كل مواطن أن يجد العلاج دون أن يخوض معركة جديدة خارج أسوار المستشفى.

الدم ليس سلعة وليس خدمة يمكن تأجيلها وليس بابًا للربح أو السمسرة. إنه حياة… والحياة لا تُباع ولا تُشترى.

ويبقى السؤال الذي يجب أن يؤرق كل مسؤول: هل يجوز أن يدخل المواطن إلى المستشفى طالبًا العلاج ليجد نفسه مضطرًا للبحث عن متبرع أو مطاردة سمسار أو إطلاق استغاثة على مواقع التواصل الاجتماعي بينما عقارب الساعة تقترب من النهاية؟

إن اليوم الذي تختفي فيه عبارة “مفيش دم” من مستشفياتنا ويختفي معها كل من يتاجر بآلام المرضى سيكون يومًا نكون قد انتصرنا فيه للإنسان… قبل أن ننتصر على المرض.