الإثنين 20/يوليو/2026 – 11:36 ص 7/20/2026 11:36:08 AM .

ليست النجارة ولا السباكة ولا المحارة، ولا غيرها من المهن اليدوية، مجرد وسائل لكسب الرزق، إنما هي رسالة تقوم على الثقة قبل أن تقوم على المهارة. فالإنسان عندما يستعين بنجار أو سباك أو محار، فإنه يضع بين يديه منزله وماله، وأحيانًا راحة أسرته، وهو ما يجعل الأمانة والصدق ركيزتين أساسيتين في شخصية صاحب الصنعة، لا غنى عنهما. ومع الأسف، تتردد يومًا بعد يوم شكاوى الناس من تصرفات وممارسات فقدت روح المهنة وأخلاقياتها، فمنهم من يصطدم بالمغالاة في أسعار الخامات أو باستبدال الخامات المتفق عليها بأخرى أقل جودة أو بإطالة زمن العمل بلا مبرر أو بتسليم أعمال تفتقر إلى الإتقان، ثم يُفاجأ بتحمل نفقات إضافية لإصلاح أخطاء كان من الواجب ألا تقع أصلاً. غير أن الإنصاف يقتضي ألا تُختزل الصورة في هذه النماذج السلبية، فما زال بين أصحاب المهن اليدوية آلاف الأمناء الذين يحافظون على شرف المهنة، ويقدمون نماذج مشرقة في الصدق والإخلاص، ويثبتون أن أمانة الكلمة وإتقان العمل هما رأس مالهم الحقيقي.

وفي تقديري أن المشكلة ليست أزمة نجار أو سباك أو محار، بقدر ما هي أزمة سلوك وقيم. فعندما يغيب الضمير، تتحول المهنة من رسالة إلى وسيلة لتحقيق مكاسب سريعة، ولو كان الثمن استغلال البسطاء الذين يدخرون أموالهم بشق الأنفس لتجهيز منزل أو إصلاح عطل أو إنجاز عمل. حضور الضمير ينعكس في كل تفصيلة؛ في الالتزام بالمواعيد والصدق في الحديث والوضوح في التكلفة واستخدام الخامات المتفق عليها وإتقان العمل مهما استغرق من وقت. فالصنايعي الأمين لا يكتفي بإنجاز المهمة بل يترك وراءه ثقة تدفع الناس إلى ترشيحه لغيرهم، لتصبح سمعته هي رأس مالهم.

إن غياب الأمانة لا يضر بالفرد وحده بل يمتد أثره إلى المجتمع كله؛ إذ يؤدي إلى انتشار الشك بين الناس وإهدار الأموال وإعادة تنفيذ الأعمال أكثر من مرة بما يرهق الأسر ويزيد الأعباء الاقتصادية ويضعف الثقة في أصحاب المهن والحرف. لقد حثنا ديننا الحنيف على إتقان العمل والأمانة وجعل الصدق في المعاملة خلقًا أصيلًا؛ لأن العمل المتقن عبادة والأمانة أساس العمران واستقرار المجتمع. استعادة القيم الأخلاقية داخل سوق العمل أصبحت ضرورة لا تحتمل التأجيل ومسئولية مشتركة تبدأ من الأسرة التي تغرس الصدق والأمانة في نفوس الأبناء والمدرسة التي تربي على احترام العمل ومراكز التدريب التي لا تكتفي بتعليم المهارة بل تزرع أخلاقيات المهنة فضلًا عن دور النقابات والجهات المعنية في ترسيخ مواثيق الشرف المهني ومحاسبة من يسيء إلى المهنة.

أقول لأخي الصنايعي: التزم بالمواعيد وحدد التكلفة بوضوح قبل بدء العمل واستخدم الخامات المتفق عليها واعترف بخطئك إن وقع وأسرع في إصلاحه دون مراوغة؛ فهذه السلوكيات لا تنتقص من مكانتك بل ترفع قدرك وتكسبك احترام الناس وثقتهم.

وأقول لأخي الزبون: عليك أيضًا مسٔولية لا تقل أهمية تتمثل في وضوح الاتفاق قدر الإمكان وعدم الانسياق وراء الأرخص دائمًا على حساب الجودة والتعامل مع أصحاب السمعة الطيبة ومنح كل ذي حق حقه دون بخس أو مماطلة. المجتمعات لا تنهض بالمهارات وحدها بل تنهض بالأخلاق التي تضبط هذه المهارات وتوجهها؛ فالأمانة والصدق ليسا شعارات تُرفع بل قيم تُمارس وهما الطريق الحقيقي إلى الرزق الطيب والثقة المتبادلة والاحترام الدائم. وعندما تصبح الأخلاق جزءًا أصيلاً من ثقافة العمل يكون الجميع كسبان.