أثارت نتيجة الفرقة الأولى بكلية طب الأسنان في جامعة سوهاج أزمة كبيرة، حيث كشفت عن رسوب حوالي 65% من الطلاب، مما يدل على وجود خلل واضح في منظومة امتحانات الثانوية العامة التي تُعتبر المؤهل الرئيسي للالتحاق بالجامعات.
وحذر خبراء من تكرار هذه الظاهرة سنويًا مع الدفعات الأولى بالكليات الطبية، خاصة في محافظات الصعيد مثل سوهاج وقنا، بسبب انتشار ما يُعرف بلجان أولاد الأكابر في امتحانات الثانوية العامة.
مطالب بإعادة النظر في نظام القبول بالجامعات
وحذر الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بكلية التربية بجامعة عين شمس، من التداعيات المحتملة لانخفاض نسب النجاح في الكليات الطبية. وأكد أن استمرار هذا الوضع قد يؤثر سلبًا على مستوى الخدمات الطبية في مصر مستقبلًا.
وأوضح شوقي أن الدراسة في كليات الطب تتطلب تحقيق مستويات مرتفعة من التحصيل الأكاديمي، نظرًا لطبيعة المهنة وما تفرضه من مسؤوليات تتعلق بحياة المرضى وسلامتهم.
وأشار إلى ضرورة امتلاك طالب كلية الطب قدرات عالية على الفهم والاستيعاب، بالإضافة إلى المهارات الشخصية والإنسانية التي تؤهله للتعامل مع المرضى بكفاءة.
وأضاف أن تخريج أجيال منخفضة الكفاءة قد يؤثر سلبًا على جودة الرعاية الصحية، حتى إذا تمكن هؤلاء الطلاب من اجتياز سنوات الدراسة اللاحقة، إذ قد يرتبط نجاحهم بعوامل أخرى لا تعكس بالضرورة كفاءتهم العلمية والأكاديمية.
واعتبر شوقي أن هذه المؤشرات تمثل “جرس إنذار” يستدعي من الجهات المعنية، وفي مقدمتها وزارة التعليم العالي، إعادة تقييم منظومة القبول بالجامعات بحيث لا يعتمد القبول على مجموع الثانوية العامة وحده، بل يشمل أيضًا أدوات تقييم أخرى مثل اختبارات القدرات والاختبارات الشاملة في المواد الأساسية.
وأكد أن درجة الثانوية العامة ينبغي أن تكون أحد معايير القبول وليست المعيار الوحيد؛ مما يسهم في اختيار الطلاب الأكثر تأهيلًا للدراسة في التخصصات الطبية وغيرها من التخصصات الحيوية.
مؤشر خطير.. والغش لن يصنع طبيبًا كفؤًا
وقال الدكتور عاصم حجازي، الخبير التربوي بجامعة القاهرة، إن رسوب أكثر من 46% من طلاب الفرقة الأولى بإحدى الكليات الطبية يمثل مؤشرًا بالغ الخطورة خاصة وأن هذه الظاهرة تكررت لأكثر من عام.
وأوضح أن أحد الأسباب المحتملة لهذه النتائج قد يكون انتشار الغش الجماعي أو ما يُعرف بـ”لجان أولاد الأكابر”، مشيرًا إلى أنه يفضل تسميتها بـ”لجان الغش الجماعي” لما تعكسه من واقع يؤثر سلبًا على منظومة التعليم.
وأكد أن هذه النتائج تحمل رسالة واضحة للطلاب الذين يعتمدون على الغش وأولياء أمورهم مفادها أن الغش قد يحقق نجاحًا مؤقتًا لكنه لن يضمن استمرار التفوق أو الحصول على فرص مستقبلية حقيقية؛ إذ يواجه الطالب تحديات أكبر عندما يصبح مطالبًا بامتلاك المهارات والمعارف اللازمة للدراسة الجامعية أو لسوق العمل.
وأضاف أن هذه المؤشرات تعزز الوعي بأهمية التعلم الحقيقي واكتساب المهارات واختيار المسار الدراسي الذي يتناسب مع قدرات الطالب وإمكاناته؛ مما يضمن له الاستمرار في النجاح وتحقيق التميز.
وشدد حجازي على أهمية الجدية والحزم في الامتحانات الجامعية لا سيما في الكليات والقطاعات الطبية؛ نظرًا لارتباطها المباشر بصحة المواطنين وحياتهم. مؤكدًا أنه لا مجال للتساهل في تقييم طلاب هذه الكليات أو غيرها.
كما أكد أن الالتزام الصارم بمعايير التقييم يمثل الضمانة الأساسية لتخريج أطباء أكفاء قادرين على دعم المنظومة الصحية. محذرًا من أن انتشار الغش لا يهدد العملية التعليمية فحسب بل يمتد تأثيره السلبي إلى مختلف قطاعات المجتمع.
نتيجة طبيعية للغش في الثانوية العامة.. والمجتهدون هم الضحية الأكبر
وأكد الدكتور محمد كمال، أستاذ الأخلاق بكلية الآداب بجامعة القاهرة والخبير التعليمي، أن انخفاض نسب النجاح في كليات القمة وخاصة كليات القطاع الطبي خلال العام الحالي لم يكن مفاجئًا بل يمثل امتدادًا لنتائج متكررة شهدتها بعض الجامعات خلال السنوات الماضية.
وأوضح أن السبب الرئيسي وراء هذه الظاهرة يعود إلى حصول عدد من الطلاب على درجات مرتفعة في الثانوية العامة بوسائل غير مشروعة مثل الغش وتسريب الامتحانات والاعتماد على مجموعات الغش الإلكتروني. فضلًا عن حالات الغش شبه الجماعي داخل بعض اللجان والتي ارتبطت بما يُعرف إعلاميًا بـ”لجان أولاد الأكابر”.
وأشار إلى أن هذه الممارسات تؤدي إلى حصول بعض الطلاب على مجاميع مرتفعة لا تعكس مستواهم الحقيقي مما يمكنهم من الالتحاق بكليات مرموقة وعلى رأسها كليات القطاع الطبي. إلا أنهم يصطدمون بواقع مختلف داخل الجامعات حيث لا توجد تسريبات للامتحانات أو وسائل للغش المنظم وتُطبق قواعد التقييم بصورة أكثر صرامة وهو ما يكشف مستواهم العلمي الحقيقي وينعكس في ارتفاع معدلات الرسوب بينهم.
وأضاف أن كثيرًا من هؤلاء الطلاب لا يتمكنون من تجاوز التحديات الأكاديمية حتى بعد إعادة العام الدراسي مما يؤدي في بعض الحالات إلى فصلهم من الكليات التي التحقوا بها دون استحقاق حقيقي.
وشدد الخبير التعليمي على أن هذه النتائج لا تمثل تهديدًا لمستوى التعليم الطبي أو لمستقبل الطب في مصر؛ مؤكدًا أن الكليات الطبية لا تمنح النجاح إلا لمن يمتلك الكفاءة المطلوبة وبالتالي فإن خريجيها هم فقط من يثبتون قدرتهم على ممارسة المهنة وتحمل مسؤولياتها.
وأضاف أن القلق الحقيقي يجب أن يكون عند ارتفاع نسب النجاح بشكل مصطنع بهدف الحفاظ على صورة الكلية أو الجامعة وهو أمر لا يخدم العملية التعليمية. وأكد أنه يجب الحفاظ على سمعة المؤسسات الأكاديمية عبر تطبيق معايير عادلة تضمن حصول كل طالب على حقه وأن ينجح فقط من يستحق النجاح بالفعل.
وفي المقابل أعرب كمال عن أسفه لما يتعرض له الطلاب المجتهدون من ظلم نتيجة ممارسات الغش موضحًا أن بعض الطلاب الذين بذلوا جهودا كبيرة خلال سنوات الدراسة حُرموا من فرص الالتحاق بالكليات الطبية بسبب حصول آخرين على درجات أعلى بطرق غير مشروعة. واعتبر أن هذه الخسارة تمثل ضررًا لا يمكن تعويضه بالكامل حتى لو رسب الطلاب الغشاشين أو تم استبعادهم لاحقاً من الدراسة الجامعية.

