تجد اليابان نفسها أمام معضلة دستورية وسياسية تهدد استمرارية العائلة الإمبراطورية، في ظل تمسك التقاليد بقصر وراثة العرش على الذكور فقط، وتصاعد الدعوات لإصلاح القوانين. حيث تقلص عدد الورثة المؤهلين إلى ثلاثة فقط، بينما تبقى الأميرات خارج معادلة الخلافة، مما ينذر باحتمالية أزمة وشيكة تهدد مستقبل “عرش الأقحوان”، وفقًا لتقرير لشبكة “سي إن إن”.

على الرغم من أن دور الإمبراطور في اليابان أصبح رمزيًا إلى حد كبير، إلا أن العائلة الإمبراطورية، التي تنسبها الأساطير إلى إلهة الشمس، لا تزال تمثل رمزًا لوحدة البلاد التي يبلغ عدد سكانها نحو 123 مليون نسمة. وهذا يمنح قضية الخلافة بعدًا سياسيًا ورمزيًا يتجاوز حدود المؤسسة الملكية نفسها.

قانون يحصر الخلافة في الذكور

يتمسك النظام الإمبراطوري الياباني منذ قرون بانتقال العرش عبر الذكور فقط، انسجامًا مع التقاليد الأبوية السائدة في المجتمع الياباني. إلا أن هذه القاعدة أصبحت أحد أبرز أسباب الأزمة الحالية، حيث شهدت العائلة الإمبراطورية خلال العقود الأخيرة ولادة عدد أكبر من البنات مقارنة بالأبناء، بينما لا يسمح القانون للنساء باعتلاء العرش.

من هم الورثة الحاليون؟

يمتلك الإمبراطور ناروهيتو، البالغ من العمر 66 عامًا، ابنة واحدة هي الأميرة أيكو (24 عامًا)، التي تحظى بشعبية واسعة لكنها محرومة قانونيًا من وراثة العرش بسبب جنسها. وإذا أنجبت أطفالًا مستقبلًا فلن يكونوا مؤهلين للخلافة. ويضم خط الوراثة أيضًا الأمير هيتاتشي (90 عامًا)، عم الإمبراطور، والأمير أكيشينو (60 عامًا)، شقيقه الأصغر. بينما يُعتبر الأمير هيساهيتو (19 عامًا)، نجل أكيشينو، الوريث الأكثر ترجيحًا وأول ذكر في العائلة يبلغ سن الرشد منذ أربعة عقود.

كيف بدأت أزمة الخلافة في اليابان؟

ترجع جذور الأزمة إلى التعديلات التي أُدخلت على قانون الأسرة الإمبراطورية عام 1947 بعد الحرب العالمية الثانية. حيث تم تقليص عدد أفراد العائلة الإمبراطورية وخفض النفقات عبر قصر الانتماء إلى الأسرة على الأقارب المباشرين للإمبراطور هيروهيتو وإلغاء 11 فرعًا جانبيًا كان يوفر مرشحين إضافيين للخلافة. وقد أدى ذلك إلى تراجع عدد أفراد الأسرة من 67 إلى 16 فردًا فقط. كما زادت الأزمة تعقيدًا بسبب إلزام الأميرات بمغادرة العائلة الإمبراطورية بعد الزواج من أشخاص من عامة الشعب.

ولمعالجة نقص الورثة، اقترحت الحكومة إعادة بعض الفروع الإمبراطورية السابقة لتوسيع دائرة الذكور المؤهلين للخلافة. وهي تعديلات لا تزال بانتظار موافقة البرلمان. يتيح مشروع القانون للعائلة الإمبراطورية “تبني” أفراد من تلك الفروع ممن تجاوزوا 15 عامًا وغير متزوجين وليس لديهم أبناء، ليصبح أبناؤهم مؤهلين لوراثة العرش.

بقاء الأميرات دون حق في الخلافة

كما يسمح المشروع للأميرات بالبقاء ضمن العائلة الإمبراطورية ومواصلة أداء مهامهن الرسمية بعد الزواج من عامة الشعب، إلا أنه لا يمنحهن حق اعتلاء العرش. يبقى أبناؤهن غير مؤهلين للخلافة، مما يعني استمرار قاعدة انتقال العرش عبر الذكور فقط.

أثارت هذه المقترحات نقاشًا واسعًا في اليابان، إذ تساءل باحثون وسياسيون معارضون وعدد من المواطنين عن أسباب استمرار منع النساء من اعتلاء العرش. وقال الباحث في تاريخ النسب الإمبراطوري بجامعة تشو في طوكيو ماكوتو أوكاوا: “من الصعب العثور على أي أساس عقلاني لرفض السماح لامرأة بأن تصبح إمبراطورة” مشيرًا إلى أن اليابان عرفت ثماني إمبراطورات قبل أن يحظر قانون الأسرة الإمبراطورية الصادر عام 1889 تولي النساء العرش.

تأييد شعبي ومعارضة سياسية

يرى أوكاوا أن الدستور الياباني لا يمنع النساء من اعتلاء العرش وأن استبعادهن لا يمكن اعتباره تقليدًا يابانيًا أصيلًا. ورغم أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن غالبية اليابانيين لا يعارضون وجود إمبراطورة، فإن رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي والحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم يرفضان تغيير قواعد الخلافة مؤكدين أن قصرها على الذكور المنحدرين من السلالة الإمبراطورية لا يزال الخيار الأنسب.

ومن المتوقع أن تتحول التعديلات الحكومية إلى قانون خلال الشهر الجاري، لكنها لن تمس قاعدة الخلافة الذكورية مما يعني استمرار أزمة وراثة عرش اليابان حتى مع توسيع دائرة الورثة المؤهلين واستمرار استبعاد النساء.