قال الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن هناك أدلة عديدة تدل على إذن سيدنا رسول الله ﷺ بكتابة الحديث. وقد اختلفت آراء العلماء في توضيح العلاقة بين أحاديث الإذن وحديث النهي المتقدم، وأحد أبرز أوجه الجمع هو أن أحاديث الإذن جاءت بعد حديث النهي، مما يعني أن آخر ما صدر عن النبي ﷺ هو الإذن بالكتابة.

إذن رسول الله ﷺ لكتابة الحديث

وأوضح جمعة عبر حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أن الصحابة الكرام تلقَّفوا هذا الإذن النبوي، فبدأ العديد منهم في كتابة الحديث الشريف.

وأضاف أن من الصحابة الذين كتبوا الحديث هو سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ حيث روى البخاري بسنده عن أبي جحيفة، أنه قال لعلي رضي الله عنه: “هل عندكم كتاب؟” فأجاب: «لَا، إِلَّا كِتَابَ اللهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ». فسألته: وما في هذه الصحيفة؟ فقال:
«الْعَقْلُ، وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ».

وأشار إلى أن المقصود بالعقل هنا هو أحكام الديات. وهذا الحديث يثبت أن سيدنا علي رضي الله عنه كان لديه صحيفة مكتوبة تحتوي على مجموعة من الأحكام النبوية.

وأكد جمعة أن كتابة الحديث في العصر النبوي تُعد حقيقة علمية أثبتها العديد من الباحثين؛ حيث قال الأستاذ سيد صقر في مقدمة تحقيقه لكتاب «فتح الباري»: «من الحقائق المدونة في الكتب أن الأحاديث النبوية قد دُوِّنت في حياة النبي ﷺ وفي حياة صحابته. فقد كان لبعض الصحابة كتب تحتوي على ما سمعوه من أحاديث كتبوها بأنفسهم، وكتبها عنهم من سمعها منهم. كما شارك الرسول ﷺ في تدوين سُنَّته بإملائه على كُتَّابه ما أملى من كتب في الفرائض وغيرها، أو أرسلها إلى من رأى إرسالها إليه؛ لتكون تبصرةً وتذكرةً فيما افترض من أنواع الفرائض أو أدَّبهم به من سنن الأدب».

ويقول الدكتور صبحي الصالح: «ليس علينا إذن أن ننتظر عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز حتى نسمع للمرة الأولى – كما هو الشائع – بشيء اسمه تدوين الحديث أو محاولة لتدوينه. وليس علينا أن ننتظر العصر الحاضر للاعتراف بتدوين الحديث في عصر مبكر؛ لأن كتبنا ووثائقنا وأخبارنا التاريخية لا تدع مجالًا للشك في تحقق تقييد الحديث في عصر النبي ﷺ نفسه وليس بعد المائة الثانية للهجرة».

وبذلك يتضح أن التدوين الرسمي العام الجامع للسُّنَّة جاء في مرحلة لاحقة، بينما أصل كتابة الحديث وتقييده ثبت خلال حياة النبي ﷺ بإذنه وأمره وفي صحائف عدد من أصحابه رضي الله عنهم.