لم تكن واقعة أفاريس عام 1580 ق.م مجرد حدث عابر، بل كانت نقطة تحول حاسمة في تاريخ مصر، حيث تمكن القائد المصري أحمس من كسر شوكة الغزاة الهكسوس وطردهم بعد احتلال دام حوالي 150 عامًا. هذه المعركة لم تكن فقط محطة مهمة في التاريخ القديم، بل أثرت على مسارات مجد مصر حتى يومنا هذا، مُكرسةً وحدة الأراضي المصرية وعصيانها على التقسيم والتشرذم.
تاريخ مصر شهد محطات عديدة من التوحد بعد الفتن، وقد أظهر التاريخ أن وادي النيل عصي على الانقسام. فقد جاء وقت استجاب فيه قائد عظيم لنداء التاريخ ليعيد وحدة البلاد تحت راية الحضارة المصرية العريقة.
* بدأت تلك المحطات مع الملك مينا الذي وحد القطرين عام 3200 ق.م.
* ثم تلاه الملك منتوحتب الثاني عام 2065 ق.م الذي أعاد توحيد مصر بعد فترة من الفوضى والانقسام.
* وفيما يقارب خمسمائة عام بعد منتوحتب، جاء الملك أحمس ليحقق الوحدة مرة ثالثة بعد طرده للهكسوس في ملحمة أفاريس عام 1580 ق.م، مما يُكرّس الدرس القائل بأن مصر عصية على التقسيم والضياع.
أحمس والهكسوس
تروي قصتنا أبرز محطات تاريخ أجدادنا القدماء المصريين، وهي ملحمة الملك أحمس الذي طرد الغزاة الهكسوس من موقعة أفاريس عام 1580 ق.م. بدأت تلك القصة مع تغلغل الهكسوس في مصر، حيث استطاعوا اختراق الجسد المصري حتى تمكنوا من السيطرة في نهاية الأسرة الثالثة عشرة المصرية عام 1786 ق.م.
شهدت البلاد آنذاك أحداثًا جسامًا من اضطرابات وفوضى، وكانت مدينة طيبة موطن سلالة ملوك الأسرة الثالثة عشرة هي الفرصة التي استغلها الهكسوس للانقضاض على الحكم المصري.
فقد هاجم الهكسوس المصريين بأعداد غفيرة في عام 1730 ق.م ولم يتمكن المصريون من مقاومتهم، فدمروا المدن والمعابد وسبوا النساء وأسسوا عاصمة لهم في شرق الدلتا تُعرف بأفاريس (صان الحجر الحالية بالشرقية)، وتدريجياً سيطروا على شمال مصر بينما ظل جنوبها والنوبة تحت الحكم المصري.
وبذلك انقسمت مصر إلى ثلاثة ممالك رئيسية: مملكة الهكسوس التي سيطرت على الدلتا ومصر الوسطى، ومملكة طيبة في الصعيد التي شكلت الأسرة السابعة عشرة لاحقًا، ومملكة النوبة التي كان يحكمها أمير نوبي تابع لملوك طيبة بشكل صوري وفعلي بينما كان حليفاً للهكسوس.
سيطر الهكسوس على الدلتا وتوغلوا في مصر الوسطى بينما كانت النوبيون يحكمون الجنوب ولم يتبقَ لمصر المستقلة سوى جزء صغير من صعيد مصر تحت حكم أمراء طيبة. عانت البلاد خلال حكم الهكسوس الذي استمر قرابة القرن ونصف القرن.
في هذه الفترة، نظر إلى المصريين بكراهية واحتقار حتى قرر أمراء الصعيد مؤسسو الأسرة السابعة عشرة تحدي نفوذ الهكسوس وأخذوا يتبنون ألقاب ملوك المصريين القدامى.
استيقظ الشعور الوطني بين المصريين وبدأ الوعي يتزايد حول ما تعانيه البلاد من ذل ومهانة تحت الحكم الأجنبي الغاصب -الهكسوس-. ومع تزايد الوعي الوطني هبّ المصريون إلى ساحة القتال لاستعادة استقلال بلادهم بقيادة مجموعة من الملوك الشجعان الذين ضحوا بحياتهم دفاعًا عن أرض الكنانة.
مع ضعف حكام الهكسوس وتناقص قوتهم، انتهز أمراء طيبة الفرصة وأشعلوا نيران الثورة ضد الغزاة، حيث بدأت المصادمات مع قوات الهكسوس خلال عهد الملك سنكرع والد أحمس الذي كان ملكًا على طيبة.
استمرت سيادة الهكسوس عبر دفع الجزية على حاصلات بلاد الجنوب التابعة لطيبة حتى ضاق أهل الصعيد ذرعًا بذلك وقرروا مواجهة الغزاة مع تزايد قوتهم تدريجيًا.
إلى الحلقة الثانية والأخيرة: أحمس بطل التحرير.. موقعة أفاريس بالدلتا عام 1580 ق.م.
المجد والخلود لمصر الحضارة والتاريخ.. العلياء والسؤدد لشهدائها الأبرار.. العز والفخار لشعبها الأبي.

