إلسا ثورا، شابة سويدية شقراء، جابت الولايات المتحدة من مدينة لأخرى لمتابعة مباريات المونديال بشغف كبير. وقد قامت ذات الـ24 عامًا بنقل يومياتها السعيدة مع أجواء كأس العالم -في المدرجات وخارجها- عبر تويتر طوال أيام البطولة.

لم تكن ثورا وحدها في هذا الشغف، بل شاركتها آلاف النساء التشجيع من المدرجات بأمان تام، دون خوف من التعرض للتحرش أو أي اعتداء. هذه الظاهرة الجديدة أعطت زخمًا خاصًا لرياضة كانت حتى وقت قريب حكرا على الرجال.

لكن بينما كانت ثورا تتنقل بين المباريات في الملاعب الأميركية، لقيت بسمة ماهر -أم لأربعة أطفال- حتفها في 14 يونيو (يوم مباراة مصر وبلجيكا) طعنًا وسط الشارع في منوف على يد طليقها الذي رفضت العودة إليه. وبعد أسبوع، وبينما كانت ثورا تتابع مباراة بلدها السويد أمام هولندا في هيوستن، قُتلت نسمة إبراهيم (35 عامًا) بضربات بشاكوش على يد زوجها بسبب خلاف أسري.

وفي 26 يونيو، قُتلت باحثة علم النفس جهاد فهمي داخل منزل أسرتها في الإسكندرية، طعنًا على يد طليقها أمام طفليها، وذلك بينما كانت ثورا تتابع مباراة السويد ضد اليابان في دالاس.

ثلاث ضحايا بسبب جرائم قتل ارتكبها أزواج أو مطلقون خلال فترة المونديال من 11 يونيو إلى 19 يوليو نتيجة نزاعات أسرية مدمرة. وخلال نفس الفترة، رصدت منصة “شريكة ولكن” سقوط امرأة من الطابق السابع بعد مشادة مع زوجها في الجيزة، والعثور على جثمان سيدة تحت سرير في الإسماعيلية، ومقتل فتاة عمرها 13 عامًا على يد والدها.

إجمالي الجرائم التي وقعت خلال الربع الثاني من العام أكثر بكثير. بحسب مؤسسة ”ملاذ“ شهدت الفترة من أبريل إلى يونيو 27 جريمة قتل و41 اعتداء و60 واقعة تحرش، أي أن هناك قتيلة كل 3.3 أيام تقريبًا خلال تلك الأشهر.

بصفة عامة، تتعرض امرأة واحدة من كل ثلاث مصريات لأحد أشكال العنف الأسري خلال حياتهن وفقًا لمنظمة العفو الدولية. والسبب غالبًا ما يكون الخلافات الزوجية.

في ضوء هذه الأرقام المخيفة، يطرح التساؤل.. لماذا تشعر النساء بالأمان في مدرجات صاخبة وسط جماهير بعشرات الآلاف من الغرباء في الولايات المتحدة بينما تفقد أخريات حياتهن داخل منازلهن في مصر؟ كيف يمكن أن تكون المرأة آمنة في الملاعب ومرعوبة داخل بيتها؟!

بالتأكيد هناك ظروف معقدة كثيرة -ربما أحدها الضغوط الاقتصادية الحادة- تسهم في تصاعد العنف ضد الفئات الأكثر ضعفًا وهشاشة في المجتمع. وتكشف صفحات الحوادث خلال الفترة الأخيرة عن تزايد خطير في عدد الجرائم المروعة التي تروح ضحيتها نساء وأطفال في عموم محافظات مصر، خاصة تلك الأشد فقراً وهشاشة.

لذا تحتاج النساء إلى جهود ضخمة وعمل جاد من جهات عدة لمنحهن الإحساس بالأمان.. ليس فقط في الشوارع والفضاء العام بل أيضًا داخل بيوتهن. وهذا ما ينبغي التركيز عليه بدلاً من خوض غمار معارك جدلية سفسطائية عقيمة لن توقف نزيف الدم أو المعاناة التي تتكبدها المرأة في صمت.. لمجرد أن تبقى على قيد الحياة.