د. نظير عياد مفتى الجمهورية فى حوار خاص لـ«أحداث اليوم»:.

الدولة أكبر من أي تيار.. والشائعات تهدم الأوطان.

الأزهر الشريف يحمل رسالة عالمية لترسيخ قيم الحوار والتعايش.

أمن الوطن من أعظم مقاصد الشريعة.

مع حلول الذكرى الثالثة عشرة لثورة 30 يونيو 2013، التي تُعتبر واحدة من أهم المحطات الفاصلة في التاريخ المصري، يتجدد الحديث حول التحولات الفكرية والسياسية التي شهدتها الدولة المصرية خلال السنوات الماضية، والتي أدت إلى تغييرات عميقة على الصعيدين الداخلي والإقليمي. لقد مثلت 30 يونيو نقطة تحول نحو آفاق المستقبل والتنمية الشاملة بعد ثورة شعب كانت تُهدد بالانزلاق إلى نفق مظلم تحت سيطرة جماعة الإخوان، لولا عناية الله ومساندة الجيش المصري لشعبه. فما حدث في 30 يونيو لم يكن مجرد تغيير سياسي أو انتقال للسلطة، بل كان معركة وجود بالنسبة للدولة المصرية ومؤسساتها وهويتها الوطنية. منذ تلك اللحظة، خاضت مصر معركة طويلة ضد الإرهاب والتطرف ومحاولات زعزعة استقرار الدولة، لكن إرادة الله تجسدت لحماية هذا الوطن ومقدراته من براثن التطرف والإرهاب، لتخوض مصر واحدة من أخطر فتراتها التاريخية. وفى ظل تجدد الاحتفاء بذكرى ثورة 30 يونيو، التقت «أحداث اليوم» بفضيلة الدكتور نظير عياد مفتى الديار المصرية وهذا نص الحوار.

< بداية كيف تقرأ فضيلتكم ثورة الثلاثين من يونيو فى مصر.. الدلالات والآثار الإيجابية؟

– لقد قرر علماء المقاصد أن من أعظم مقاصد الشريعة حفظ نظام الأمة ومنع أسباب الفتنة والاقتتال والاضطراب؛ لأن استقرار المجتمعات شرط سابق على تحقيق سائر المصالح الدينية والدنيوية. وقد أكد الإمام الشاطبى أن الشريعة جاءت لإقامة مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، ومن ثم فإن اختلال النظام العام يفضى إلى ضياع تلك المصالح وتعطيلها. ومن هذا المنطلق يمكن فهم أهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية باعتبارها الأداة التي تُصان بها المصالح العامة وتُدرأ بها المفاسد الكبرى؛ فحيثما ضعفت الدولة تفككت الروابط الاجتماعية وانتشرت الفوضى وتراجعت القدرة على تحقيق العدالة والتنمية. أما حين تستعيد الدولة تماسكها وقدرتها على أداء وظائفها الأساسية فإنها تهيئ البيئة اللازمة للأمن والعمران والتقدم. ولذلك فإن بناء الأوطان وحماية استقرارها ليس مجرد عمل سياسي، بل جزء من الواجب الشرعي والحضاري الذي يندرج تحت عمارة الأرض وتحقيق مصالح الخلق.

وفى ضوء هذا التأصيل، تمثل الثورات للشعوب محطات فارقة في مسار تشكيل الدولة وإعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع؛ فهي لحظات تتكثف فيها الإرادة الجمعية وتتجلى خلالها قدرة المجتمعات على مراجعة مساراتها حين تستشعر تهديدًا يمس وجودها أو تماسكها الحضاري. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى ثورة الثلاثين من يونيو 2013 باعتبارها إحدى أهم اللحظات في التاريخ المصري المعاصر؛ إذ مثلت استجابة وطنية واسعة لإعادة تصحيح مسار الدولة وحماية بنيتها المؤسسية في ظل ظروف اتسمت بالسيولة السياسية وعدم اليقين.

وفى هذا الإطار يتضح أن هذه الثورة تعد تعبيرًا عن إرادة جماعية هدفت إلى صون الدولة المصرية من مخاطر الاستقطاب الأحادي والحفاظ على وحدتها المؤسسية ومنع انزلاقها إلى أنماط الصراع والفوضى التي شهدتها بعض البيئات الإقليمية. فالتحدي الأخطر الذي تواجهه الأمم لا يتمثل في تعثر الحكومات أو إخفاق النخب السياسية فحسب، وإنما في تعرض الدولة ذاتها للتآكل المؤسسي أو فقدان قدرتها على أداء وظائفها السيادية؛ فالحكومات كيانات مؤقتة، أما الدولة فهي البناء التاريخي والمؤسسي الذي يضمن استمرارية المجتمع ويحفظ تماسكه.

ومن ثم يمكن اعتبار أحد أبرز المخرجات الفكرية والسياسية لثورة الثلاثين من يونيو إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية الحديثة باعتبارها الإطار الجامع للمواطنة والضامن لاستمرار النظام العام والحارس للمصالح المشتركة للمجتمع. وقد تجسد هذا الإدراك في الوعي الجمعي المصري الذي نظر إلى الدولة المصرية باعتبارها نتاجًا لتراكم حضاري ممتد وليس مجرد سلطة سياسية عابرة أو جهاز إداري قابل للاستبدال؛ ومن هذا المنظور مثلت الثورة انتصارًا لفكرة الدولة وتجديدًا للعقد الوطني القائم على تقديم المصلحة العامة ووحدة المجال الوطني على الانتماءات الأيديولوجية الضيقة.

< ما أهم مرتكزات بناء الدولة الوطنية في مرحلة ما بعد الثورة برأي فضيلتكم؟

– الوعي الوطني وإشكالية بناء المناعة المجتمعية.

لقد أسهمت الثورة في إعادة طرح سؤال الهوية الوطنية ومفهوم الانتماء وتعزيز الإدراك بأن حماية الدولة لا تتحقق فقط عبر الأدوات الأمنية وإنما كذلك من خلال بناء مواطن يمتلك القدرة على التمييز النقدي في مواجهة الخطابات التي تستهدف تفكيك المجتمع أو إضعاف مؤسساته. وقد انعكس ذلك في تنامي أهمية المؤسسات التعليمية والثقافية والدينية بوصفها أدوات مركزية في تشكيل الوعي العام وترسيخ قيم المواطنة والتماسك الاجتماعي.

– التحول التنموي وإعادة تشكيل المجال العمراني.

تتفق نظريات التنمية السياسية والاقتصادية على أن الاستقرار يمثل شرطًا بنيويًا لأي عملية تنموية مستدامة؛ وفى ضوء ذلك اتجهت الدولة المصرية بعد الثورة إلى استعادة مستويات الاستقرار السياسي والأمني باعتبارها المدخل الضروري لإطلاق مشروعات التنمية وإعادة بناء الثقة في قدرة المؤسسات العامة على إدارة الشأن الوطني، وقد ارتبط ذلك بجهود مكثفة لمواجهة التنظيمات المتطرفة وتجفيف مصادر العنف السياسي بما أتاح للدولة تهيئة المناخ الملائم للنشاط الاقتصادي والاستثماري.

ولا ينفصل هذا التصور عن الرؤية الإسلامية الحضارية التي جعلت الأمن من أعظم مقومات العمران الإنساني وربطت بينه وبين التقدم الاقتصادي في إطار يضمن استقرار المجتمع وازدهاره؛ ومن ثم شهدت السنوات اللاحقة للثورة إطلاق مشروعات قومية واسعة استهدفت إعادة بناء البنية التحتية وتطوير القدرات الاقتصادية وتجاوزت بعدها الخدمية المباشرة لتصبح جزءًا من رؤية استراتيجية لإعادة تشكيل المجال العمراني وتوسيع قاعدة التنمية المكانية واستثمارًا طويل الأجل في القدرات الهيكلية للدولة.

– استعادة الدور الإقليمي في ضوء استقرار الداخل.

ترتبط مكانة الدول في محيطها الإقليمي بمستوى تماسكها الداخلي وقدرتها على إدارة مواردها ومؤسساتها بكفاءة؛ ولذلك كان من الطبيعي أن ينعكس استقرار الدولة المصرية تدريجيًا على حضورها الإقليمي والدولي فقد استعادت مصر دورها بوصفها فاعلًا رئيسيًا في محيطها الإقليمي والعالمي وأسهمت في ملفات مرتبطة بالأمن والاستقرار والتنمية مستندةً إلى ثقلها التاريخي وموقعها الجيوسياسي وقدراتها المؤسسية.

إن القراءة الفاحصة لثورة الثلاثين من يونيو تكشف عن أنها لم تكن مجرد حدث سياسي بل لحظة إعادة تعريف لأولويات الدولة والمجتمع في مرحلة اتسمت باضطراب عميق في البيئة الإقليمية؛ فقوة الدول لا تقاس فقط بحجم مواردها وإنما بصلابة مؤسساتها وعمق وعي مواطنيها وقدرتها على الحفاظ على تماسكها أمام التحديات الوجودية. ومن ثم يمكن اعتبار هذه الثورة محطة محورية في مسار الدولة المصرية الحديثة إذ عكست قدرة المجتمع المصري على استدعاء إرادته الجمعية دفاعًا عن الدولة الوطنية وتجديدًا لحقّـهــا فــي الاستمرار والبقاء والتطور.

< نهضة كبرى شهدتها الدولة فى الداخل.. إلى أي مدى تنعكس هذه النهضة على مكانة مصر فى الخارج؟

– إن العلاقة بين قوة الداخل ومكانة الخارج علاقة وثيقة لا تنفصم؛ فالدولة التي تنجح في تحقيق الاستقرار وترسيخ مؤسساتها ودفع عجلة التنمية تمتلك بالضرورة عناصر التأثير والحضور على الساحة الدولية، ولهذا فإن ما شهدته مصر خلال السنوات الأخيرة من جهود تنموية واسعة ومشروعات قومية كبرى وتطوير للبنية الأساسية وتعزيز لقدرات الدولة قد انعكس بصورة واضحة على مكانتها الإقليمية والدولية. ومصر ليست دولة حديثة العهد بالحضور والتأثير بل هي صاحبة حضارة ممتدة عبر آلاف السنين وذات مكانة راسخة فى الوجدان العربي والإسلامي والإنساني؛ ولذلك فإن أي تقدم تحققه الدولة المصرية داخليًّا ينعكس تلقائيًّا على قدرتها لأداء دورٍ تاريخيٍّ ضمن محيطٍ دوليٍّ مستقرٍ كما أن استقرار مصر يمثل عنصرًا أساسيًّا فى استقرار المنطقة بأسرها مما يجعل المجتمع الدولي ينظر باهتمام إلى ما يجري فيها من تطورات وإنجازات. وإلى جانب القوة السياسية والاقتصادية تمتلك مصر قوة ناعمة عظيمة تتمثل فى ثقافتها وتراثھا ومؤسساتھا العلمية والدينية وفي مقدمتھا الأزهر الشريف الذي يحمل رسالة عالمية تقوم على نشر الوسطية والسلام وترسيخ قيم الحوار والتعايش.

< منذ انطلاق ثورة 30 يونيو أولت الدولة المصرية اهتمامًا شديدًا ببناء الإنسان المصري.. ما تقييم فضيلتكم؟

– إن بناء الإنسان يظل الركيزة الأساسية لأي مشروع نهضوي حقيقي؛ لأن التنمية الحقيقية بقدر ما تتمثل فى الإنجازات المادية والتوسعات العمرانية إلا أنها قبل ذلك وبعده تكمن فى صناعة إنسان يمتلك أدوات العلم والوعي والقيم والقدرة على الإبداع والعطاء. وقد أثبتت تجارب الأمم أن الاستثمار فى الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة والأعمق أثرًا فى حاضر الشعوب ومستقبلھا والمتابع لما شهدته الدولة المصرية خلال عقدھا الأخير يلاحظ اهتمامًا متزايدًا ببناء الإنسان وتمكين الشباب والمرأة إلى جانب الاهتمام بمواجهة الفكر المتطرف وترسيخ قيم المواطنة والانتماء الوطني وهذه كلها جوانب تتصل اتصالا مباشرا ببناء الشخصية المصرية المتوازنة القادرة على التعامل مع تحديات العصر ومتغيراته المتسارعة.

ونحن فى دار الإفتاء المصرية نؤمن بأن بناء الإنسان لا يقتصر فقط علي تنمية الجانب المعرفي وحده بل يشمل أيضًا بناء الضمير الأخلاقي والوعي الديني الرشيد؛ فالعلم إذا انفصل عن الأخلاق فقد كثيراً من قيمته كما أن التدين إذا انفصل عن الفهم الصحيح قد يتحول إلى أداة بيد الغلو والتشدد. ولذلك فإن المعركة الحقيقية التى نواجهھا اليوم هي معركة وعى وهى معركة تستلزم تكامل أدوار الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية وأعتقد أن ما تحقق فى هذا المجال يمثل خطوة مهمة علي الطريق وإن كانت عملية بناء الإنسان بطبيعتها عملية ممتدة لا تعرف التوقف وتحتاج إلي جهد متواصل ورؤية بعيدة المدى لأن الأمم العظيمة لا تقاس بما تشيده من مشروعات فحسب وإنما بما تصنعه من عقول وما تغرسه من قيم فى نفوس أبنائها.

< ماذا عن مأساة غزة وما مكانة القضية الفلسطينية فى عيون دار الإفتاء المصرية؟

– قضية فلسطين دائمًا تكون القلب وفي صدارة أولويات مؤسسات الدولة المصرية التي تدعم بالكامل تلك القضية لتأكيد التضامن والوحدة والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني ضد الكيان المحتل الذي لا يرعى حرمة ولا يعرف للإنسانية كرامة أما غزة فنحن أمام كارثة بكل المقاييس وأمام أزمة غاب فيها ضمير العالم وهي وصمة عارٍ في جبين الإنسانية وفى قلب العالم الذي يدعى العلم والمدنية وفى النهاية فلن يضيع حق وراءه مطالب.

< ما تقييمكم لحالة الفوضى فى الفتاوى والاجتهادات الشرعية فى العالم العربي؟...........