شهدت منطقة “الأندلس” جنوب إسبانيا واحدة من أسوأ كوارث حرائق الغابات في تاريخها، حيث أسفر حريق واسع النطاق عن سقوط قتلى ومفقودين، وسط استمرار جهود فرق الإنقاذ والإطفاء لاحتواء النيران التي امتدت بسرعة بفعل موجة الحر الشديدة.
وأعلن خوانما مورينو، رئيس حكومة إقليم الأندلس، أن الحريق أودى بحياة ما لا يقل عن 11 شخصًا، فيما لا يزال 19 آخرون في عداد المفقودين، في حصيلة مُرشحة للارتفاع مع استمرار عمليات البحث في المناطق المتضررة.
مؤشرات أولية حول أسباب الحريق
أوضح مورينو أن المؤشرات الأولية تُشير إلى أن الحريق اندلع نتيجة سقوط أحد خطوط الكهرباء، قبل أن تمتد النيران سريعًا إلى المناطق الحرجية المحيطة بمدينة “لوس جاياردوس” في محافظة ألميريا، مستفيدة من الظروف الجوية القاسية وارتفاع درجات الحرارة، حسبما أفادت “بي بي سي”.
وتتعرض مناطق واسعة في جنوب أوروبا خلال الصيف الحالي لموجة حر “غير مسبوقة”، تجاوزت خلالها درجات الحرارة حاجز 40 درجة مئوية، مما ساهم في اندلاع حرائق غابات متزامنة في عدة دول، من بينها “إسبانيا وفرنسا والبرتغال”.
العثور على الضحايا في محيط بيدار
أفادت السلطات الإسبانية بأن جثث الضحايا عُثر عليها داخل قرية “بيدار” الصغيرة وفي المناطق المحيطة بها قرب لوس جاياردوس، بينما تُواصل فرق الطوارئ عمليات البحث عن المفقودين وسط ظروف ميدانية مُعقّدة.
وأكد أنطونيو سانز، وزير الصحة والطوارئ في حكومة الأندلس، أن الحريق كان “سريع الانتشار وصعب السيطرة”، مشيرًا إلى أن معظم الضحايا، وربما جميعهم، من الأجانب.
ضحايا بريطانيون بين القتلى
كشف سانز بحسب “بي بي سي” أن 4 من الضحايا عُثر عليهم داخل سيارة احترقت بالكامل أثناء محاولتهم الفرار من النيران، موضحًا أن المؤشرات الأولية تُرجح أنهم يحملون “الجنسية البريطانية” استنادًا إلى أن السيارة كانت مزودة بمقود على الجانب الأيمن.
وأضاف الوزير سانز أن 7 ضحايا آخرين عُثر عليهم في مواقع مختلفة ويُعتقد أنهم لقوا مصرعهم أثناء محاولتهم الهروب من ألسنة اللهب التي اجتاحت المنطقة بسرعة كبيرة.
السلطات: الحريق الأكثر تدميرًا في تاريخ الأندلس
وصف وزير الصحة والطوارئ في حكومة الأندلس سانز الحريق بأنه “الأكثر تدميرًا” الذي تشهده المنطقة، مشيرًا إلى أن الحصيلة الأولية للضحايا قد تتغير مع استمرار عمليات البحث والإنقاذ.
وكانت الحكومة الإقليمية قد أعلنت سابقًا ارتفاع عدد القتلى إلى 12 شخصًا، إلا أن سانز أوضح أن عمليات التحقق “لا تزال مستمرة” وأن الأرقام النهائية ستُعلن بعد استكمال أعمال فرق الطوارئ.
من جانبه أعرب رئيس حكومة الأندلس خوانما مورينو عن حزنه إزاء الكارثة مؤكدًا أن المنطقة تعيش واحدة من أكثر اللحظات “مأساوية” في تاريخها الحديث محذّرًا من احتمال ارتفاع عدد الضحايا مع مواصلة البحث عن المفقودين.
وقال مورينو في تصريحات لإذاعة “كادينا سير” إن جميع المؤشرات الأولية تُرجح أن انهيار أحد أعمدة خطوط الكهرباء كان الشرارة الأولى لاندلاع الحريق مؤكدًا أن تحقيقًا رسميًا سيُحدد المسؤوليات وأن أي جهة يُثبت تقصيرها في أعمال الصيانة ستخضع للمحاسبة.
إصابات وإجلاء واسع للسكان
أسفرت الكارثة أيضًا عن إصابة عدد من المدنيين حيث نُقل 4 أشخاص إلى المستشفيات وهم يُعانون من “حروق خطيرة” بينما تلقى أربعة آخرون العلاج بعد إصابتهم بحروق طفيفة ومشكلات في الجهاز التنفسي نتيجة استنشاق الدخان الكثيف.
كما أدت النيران إلى إغلاق عدد من الطرق الرئيسية في المنطقة بينما نفذت السلطات عمليات إجلاء “واسعة” شملت نحو ألف شخص حفاظا على سلامتهم مع استمرار امتداد ألسنة اللهب إلى المناطق السكنية القريبة.
وفي إطار تعزيز جهود الاستجابة أعلنت وحدة الطوارئ العسكرية الإسبانية (UME) المتخصصة في التعامل مع الكوارث الكبرى انضمامها إلى عمليات مكافحة الحريق في لوس جاياردوس لدعم فرق الإطفاء والإنقاذ المنتشرة في المنطقة.
موجة حر غير مسبوقة تُفاقم خطر الحرائق
تأتي هذه الكارثة في وقت تشهد فيه إسبانيا موجة حر “استثنائية” دفعت درجات الحرارة إلى مستويات قياسية حيث سجلت البلاد خلال شهر يونيو أعلى متوسط يومي لدرجات الحرارة منذ عام 1950 فيما توقعت هيئات الأرصاد الجوية أن تصل الحرارة في بعض المناطق إلى نحو 42 درجة مئوية.
وكان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز قد أعلن في مايو الماضي إطلاق “أكبر خطة وطنية” لمواجهة حرائق الغابات وسط التوقعات بارتفاع مخاطر اندلاعها خلال فصل الصيف نتيجة الظروف المناخية القاسية.
أرقام قياسية في حرائق الغابات
Tُشير بيانات نظام معلومات حرائق الغابات الأوروبي (EFFIS) إلى أن إسبانيا سجلت خلال العام الماضي احتراق نحو 393 ألف هكتار من الغابات وهو ما يزيد على ستة أضعاف متوسط المساحات التي تعرّضت للحرائق خلال الفترة الممتدة بين عامي 2006 و2024.
كما شهد الاتحاد الأوروبي خلال العام الماضي “أسوأ موسم” لحرائق الغابات منذ بدء تسجيل البيانات عام 2006 بعدما تجاوزت المساحات المحترقة مليون هكتار وهو ما يُعادل نحو نصف مساحة ويلز.
تغير المناخ في قلب الأزمة
يرى خبراء المناخ وفق “بي بي سي” أن تصاعد وتيرة حرائق الغابات في أوروبا يرتبط بشكل مباشر بالتغيرات المناخية التي أسهمت في زيادة موجات الحر والجفاف وارتفاع معدلات اشتعال الغابات.
ووفقاً لخدمة “كوبرنيكوس” الأوروبية للمناخ تُعد أوروبا القارة “الأسرع ارتفاعاً” في درجات الحرارة على مستوى العالم إذ ترتفع حرارتها بمعدل يُعادل ضعف المتوسط العالمي مما يزيد الضغوط على الموارد المائية ويُضاعف مخاطر اندلاع حرائق الغابات واتساع نطاقها.
كما خلصت دراسة أجرتها مجموعة “إسناد الطقس العالمي” التابعة لكلية “إمبريال كوليدج لندن” إلى أن تغير المناخ كان عاملاً رئيسيًا في تفاقم مواسم حرائق الغابات بمنطقة البحر الأبيض المتوسط محذّرةً من أن هذه الظواهر مُرشحة لأن تُصبح أكثر تكراراً وشدةً خلال السنوات المقبلة ما لم تُتخذ إجراءات فعالة للحد من آثار التغير المناخي.

