قال الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، إن النقاش حول تقنين البغاء في مصر يجب أن يتم بشكل واقعي، بعيدًا عن الإنكار، مشيرًا إلى أن البغاء كان قانونيًا حتى أواخر الأربعينيات قبل أن يُجرم بقانون.

إلغاء البغاء قانونيًا لا يعني اختفاء الظاهرة

أوضح صادق أن إلغاء البغاء قانونيًا لا يعني أن الظاهرة اختفت، فهناك فرق بين وجود قانون يجرم سلوكًا وبين القضاء عليه فعليًا. العديد من الظواهر المجرّمة مثل تجارة المخدرات والسرقات لا تزال موجودة، مما يدل على تعقيد المشكلات الاجتماعية وعدم ارتباطها بالتشريعات وحدها.

وأكد أن البغاء يرتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية مثل الفقر وارتفاع البطالة وتراجع القدرة على الزواج، وهذه العوامل تدفع البعض للبحث عن وسائل بديلة لتلبية احتياجاتهم.

وأضاف أن المجتمع المصري شهد على مدار السنوات أشكالًا مختلفة مما يسمى “الدعارة المستترة”، سواء من خلال ممارسات تغلف بأشكال اجتماعية أو قانونية، أو من خلال علاقات تقوم على المنفعة المادية، وقد عُرضت هذه الظواهر في أعمال سينمائية ودرامية تناولت أوضاع الفئات المهمشة.

فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الاجتماعي

وأشار صادق إلى أن جزءًا من المشكلة يكمن في الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع، حيث تميل بعض المجتمعات لإنكار المشكلات الحساسة خوفًا من الوصمة الاجتماعية، في حين أن معالجة الأزمات تبدأ بالاعتراف بوجودها ودراسة أسبابها.

وأكد أن المجتمعات المتقدمة لا تتعامل مع القضايا الاجتماعية من منطلق الإنكار، بل تعتمد على البحث العلمي والدراسات لوضع سياسات تهدف للحد من الظواهر السلبية.

وأوضح أن النقاش حول البغاء يكشف حجم الاستقطاب المجتمعي وصعوبة تقبل الآراء المختلفة، مؤكدًا أن أي نقاش حول قضية اجتماعية يجب أن يركز على جوهر المشكلة بدلاً من الهجوم على الأشخاص أو تبادل الاتهامات.

وأضاف أن هناك نساء يعملن في ظروف صعبة ويتعرضن لمشكلات اجتماعية وصحية، مشددًا على أهمية دعمهم كجزء من أي نقاش حول القضية.

وأشار إلى أن معالجة الظاهرة تحتاج إلى سياسات اقتصادية واجتماعية تشمل مكافحة الفقر وتوفير فرص العمل وتحسين الخدمات التعليمية والصحية.

كما لفت إلى النقاشات القانونية حول كيفية تطبيق القوانين المرتبطة بجريمة الدعارة، حيث يثار جدل حول مدى شمول الملاحقة القانونية لكافة الأطراف المرتبطة بالفعل.

المجتمعات التي ترفض الاعتراف بمشكلاتها تواجه صعوبة أكبر في حلها

أكد صادق أن المجتمعات التي ترفض الاعتراف بمشكلاتها تجد صعوبة أكبر في حلها، فالتشخيص الدقيق لأي أزمة اجتماعية هو الخطوة الأولى نحو العلاج، كما يحدث في المجال الطبي حيث يتطلب العلاج الاعتراف بالمرض.

وشدد على أن الهدف من طرح هذه القضايا ليس تبرير الظواهر السلبية، بل فهم الأسباب والعمل على الحد منها من خلال سياسات واقعية تستند إلى الدراسات.

وانتهى صادق بالتأكيد على أن القضايا الاجتماعية المعقدة تحتاج إلى حوار مجتمعي هادئ يوازن بين الاعتبارات القانونية والأخلاقية، مشيرًا إلى أن التركيز على معالجة جذور المشكلات هو الأكثر فاعلية من الإنكار أو التعامل معها كقضايا هامشية.