في قلب العاصمة الجديدة، يبرز متحف الري كمنارة توثيقية تعكس عمق التراث الهندسي والمائي لمصر عبر العصور. ومن بين أبرز مقتنياته وأكثرها إبهاراً للباحثين والزوار، يتألق أطلس المناخ المصري لعام 1931، وهو أطلس خرائطي نادر يعكس الريادة العلمية لمصر في توثيق علوم الأرصاد والمناخ وحوض نهر النيل منذ بدايات القرن الماضي.
دقة توثيقية وسجل مناخي فريد
تظهر المقتنيات الخرائطية المعروضة بالأطلس اعتماد العلماء والمهندسين في ذلك الوقت على خطوط الحرارة المتساوية والمعادلات الهيدرولوجية الدقيقة لتحديد أدنى وأعلى درجات الحرارة اليومية. كما تتبع الأطلس الحركة الموسمية للكتل الهوائية والتساقط المطري في شهور السنة المختلفة، مثل شهري يوليو وأكتوبر الظاهرين في لوحات الأطلس المعروضة.
ومن أبرز خصائص ومكونات الأطلس خرائط حوض النيل الشاملة التي تغطي مجرى نهر النيل من منابعه الاستوائية وهضبة الحبشة وحتى المصب في البحر المتوسط بمقياس رسم دقيق (1:7,500,000). ويشتمل أيضاً على رسم دقيق لدرجات الحرارة الصغرى والكبرى اليومية لتحديد التباين المناخي بين البيئات الصحراوية والمناطق الساحلية والدلتا، بالإضافة إلى توزيع جغرافي للأمطار يتيح فهم خطوط السيول والفيضانات التي اعتمدت عليها سياسات التخطيط المائي للري. كما يتضمن الأطلس جداول وشروح تفصيلية تدون المعدلات المناخية بأسلوب علمي يضاهي أرقى المعايير العالمية في ثلاثينيات القرن الماضي.
قيمة هيدرولوجية وعلمية عابرة للزمن
تتجاوز قيمة “أطلس 1931” كونه قطعة أثرية أو وثيقة تاريخية معروضة خلف زجاج المتحف؛ إذ يعتبره خبراء المياه والأرصاد مرجعاً قياسياً بيئياً بالغ الأهمية. فهو يتيح للعلماء والباحثين المعاصرين دراسة ظاهرة التغير المناخي والتحولات في أنماط الحرارة والأمطار في حوض النيل على مدار أكثر من قرن من الزمان.
كما يعكس الأطلس البعد الاستراتيجي الذي أولته الدولة المصرية لإدارة موارد المياه، حيث كانت قراءة المناخ وتتبع إيراد نهر النيل ورصد أقاليمه حجر الزاوية في بناء السدود والأنفاق والترع التي شكلت وجه مصر الزراعي والمعماري الحديث.
متحف الري بالعاصمة الجديدة
جدير بالذكر أن عرض هذا الأطلس التاريخي المزود بشريحة تفاعلية “QR Code” يتيح للزوار التفاعل والوصول إلى الشروح الرقمية، يجسد الفلسفة التي قام عليها متحف الري بالعاصمة الجديدة؛ حيث يجمع المتحف بين استعراض التراث الوثائقي والهندسي العريق لمصر واستخدام أحدث تقنيات العرض المتحفي الرقمي.
ويظل أطلس المناخ المصري لعام 1931 شاهداً خالداً على أن مصر لم تكن فقط هبة النيل، بل كانت أيضاً رائدة العلوم الجغرافية والهيدرولوجية التي استطاعت فهم الطبيعة وتطويعها لبناء حضارة مائية استمرت آلاف السنين.

