أكد الدكتور طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، أن الدور الذي تقوم به مصر في العالم العربي يتسم بالوضوح والاتزان، مشيرًا إلى أن هذا الدور يعتمد على رؤية استراتيجية طويلة الأمد، تعتمد على العقلانية والثقة في القيادة السياسية، بالإضافة إلى التاريخ الاستراتيجي لمصر في المنطقة.
رصيد متراكم من المصداقية السياسية والدبلوماسية
وأوضح البرديسي أن مصر تمتلك رصيدًا من المصداقية السياسية والدبلوماسية، وهو رصيد لم يتشكل في لحظة معينة، بل على مدار عقود من المشاركة الفعالة في قضايا المنطقة، سواء من خلال الوساطات أو إدارة الأزمات، قائلًا إن هذا التراكم منح القاهرة وزنًا خاصًا في ملفات المنطقة، وجعلها طرفًا محوريًا في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة، بما في ذلك أزمة الحرب الأمريكية الإيرانية، وترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار في غزة، ومراحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وحتى إدارة الخلافات داخل البيت الفلسطيني.
وأضاف أن مصر لم تكن يومًا طرفًا يسعى لتحقيق مكاسب دعائية، بل كانت تتحرك دائمًا من أجل تحقيق الاستقرار الحقيقي ومنع الفوضى، وهذا ما جعل دورها محل تقدير من العديد من الأطراف الدولية والإقليمية.
وأشار إلى أن من بين عناصر القوة المصرية موقعها الجغرافي الفريد، وارتباطها المباشر بالملف الفلسطيني عبر معبر رفح، بالإضافة إلى الأعباء التاريخية والسياسية التي تحملتها مصر على مدار عقود، فضلًا عن مشاركتها في حروب ومفاوضات معقدة، سواء في الصراع العربي الإسرائيلي أو في إدارة الخلافات الفلسطينية الداخلية.
التجربة الطويلة أكسبت الدبلوماسية المصرية خبرة نادرة
ولفت خبير العلاقات الدولية إلى أن هذه التجربة الطويلة منحت الدبلوماسية المصرية خبرة نادرة في التعامل مع الملفات الشائكة، وجعلتها قادرة على إدارة التوازنات بين الأطراف عبر مقاربات سياسية لا يجيدها إلا من يمتلك تاريخًا عميقًا وخبرة مؤسسية، مؤكدًا أن القوة المصرية لا تقتصر على الجغرافيا والسياسة فقط، بل تشمل أيضًا القوة البشرية والعسكرية والقوة الناعمة، إلى جانب دبلوماسية رصينة بنت شبكة علاقات متوازنة مع القوى الدولية والإقليمية.
وأكد البرديسي أن الدبلوماسية الرئاسية التي يقودها الرئيس عبد الفتاح السيسي ساهمت في فتح قنوات اتصال واسعة مع مختلف الأطراف، مما عزز من مكانة مصر كفاعل رئيسي في النظام الإقليمي والدولي، وساهم في تعزيز فرص التهدئة في أكثر من ملف ساخن.
كما تطرق إلى طبيعة العلاقات الدولية في المنطقة، موضحًا أن العلاقات الشخصية بين القادة قد تسهم في تسهيل بعض الملفات، إلا أن الأساس الحقيقي يبقى على المصالح الاستراتيجية للدول، وليس على الاعتبارات الشخصية فقط.
وفيما يتعلق بتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي أشار فيها إلى أطراف وصفها بـ”الدجالين” في سياق بعض الأزمات الإقليمية، قال البرديسي إن هذه التصريحات يمكن فهمها في إطار سياسي أوسع، وقد تعكس انتقادات لمن يسعون لتحقيق مكاسب دون تحمل أعباء حقيقية.
وحذر من الحملات المتزايدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أنها أصبحت من أخطر أدوات الصراع غير المباشر في المنطقة، وأن الكثير منها يتم توظيفه بشكل مدروس لإثارة الفوضى بين الدول العربية، خصوصًا بين مصر وبعض الدول الخليجية.
حروب إدراك ووعي
وتابع أن هذه الحملات “لا تعمل بشكل عفوي”، بل تتحرك في إطار ما وصفه بـ”حروب إدراك ووعي”، تستهدف ضرب الثقة بين الشعوب والأنظمة، مشيرًا إلى ضرورة التعامل معها بوعي سياسي وإعلامي متقدم، وعدم الانجرار وراء محتوى غير موثق.
وشدد على أن من أهداف هذه الحملات محاولة تفكيك الصف العربي وإضعاف التنسيق الإقليمي، مؤكدًا أن مواجهة ذلك تتطلب تعزيز الوعي العام، وتحصين المجال الإعلامي، وتبني خطاب عقلاني يرسخ الاستقرار.
وفي سياق متصل، أكد البرديسي أن نجاح أي مسار للتهدئة أو التوصل إلى اتفاقات دائمة يتوقف على وجود إرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف المتصارعة، وعلى رأسها واشنطن وطهران، بالإضافة إلى قدرتها على إعادة صياغة العلاقات على أسس جديدة تقوم على الاحترام المتبادل والالتزام بالقانون الدولي.
وأشار إلى أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق دون وقف دعم الميليشيات المسلحة، واحترام مؤسسات الدول الوطنية، والابتعاد عن التدخل في الشؤون الداخلية، معتبرًا أن هذه المبادئ تمثل حجر الأساس لأي نظام إقليمي مستقر.
ودعا البرديسي إلى تبني مقاربة عربية أكثر واقعية تقوم على “وحدة الرؤى” بدلًا من الوحدة السياسية الشاملة التي لم تحقق نتائج عملية في السابق، مؤكدًا أن التقدم الحقيقي يمكن أن يتحقق عبر تنسيق المواقف وتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري بين الدول العربية.
وأوضح أن هذا النوع من التكامل التدريجي يمهد لتقارب سياسي أوسع، ويخلق شبكة مصالح مشتركة تعزز الاستقرار وتقلل فرص التصعيد.
واختتم البرديسي تصريحاته بالتأكيد على أن مصر تمتلك رؤية استباقية في قراءة المشهد الإقليمي، مشبهًا دورها بـ”زرقاء اليمامة” التي ترى ما لا يراه الآخرون، مشيرًا إلى أن التحذيرات التي أطلقتها القاهرة بشأن اتساع رقعة الصراع في المنطقة أصبحت واقعًا ملموسًا، وأن مصر بما تمتلكه من خبرة تاريخية ورؤية استراتيجية لا تتحرك برد الفعل، بل تقدم مقاربات تستشرف المستقبل، مما يجعلها أحد أعمدة الاستقرار في المنطقة العربية.

