أكد ثلاثة خبراء اقتصاديين أن هدف الحكومة المصرية لجمع 4 مليارات دولار من خلال طرح سندات في الأسواق الدولية، المعروفة باسم (يوروبوند)، خلال العام المالي الجديد الذي بدأ في يوليو الجاري، يُعتبر اختبارًا حقيقيًا لمدى ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري. ورغم تباين آرائهم حول سهولة تحقيق هذا الهدف وتكلفة الاقتراض المتوقعة، إلا أنهم اتفقوا على أهمية هذه الخطوة.
بينما يرى خبيران أن المؤشرات الاقتصادية الأخيرة، مثل تحسن الاحتياطي النقدي وارتفاع تحويلات المصريين بالخارج واستمرار برنامج الإصلاح الاقتصادي، تعزز فرص نجاح الطرح وجذب طلب قوي من المستثمرين، يحذر خبير آخر من أن النجاح لن يُقاس فقط بقيمة الأموال التي سيتم جمعها، بل أيضًا بسعر الفائدة الذي ستدفعه الدولة، كونه المؤشر الحقيقي على تكلفة الاقتراض وثقة الأسواق.
وكان وزير المالية أحمد كجوك قد أعلن سابقًا عن خطط لطرح سندات دولية بقيمة 4 مليارات دولار خلال العام المالي 2026-2027، ضمن استراتيجية لإدارة الدين تهدف إلى خفض المديونية وإطالة آجال الاستحقاق وتنويع أدوات التمويل. وقد نجحت مصر مؤخرًا في جمع مليار دولار عبر إصدار يوروبوند لأجل 8 سنوات، وسط طلبات اكتتاب تجاوزت قيمة الطرح بنحو ثلاث مرات.
تأتي هذه الخطوة في وقت تمر فيه منطقة الشرق الأوسط باضطرابات شديدة نتيجة تجدد الصراع الأمريكي الإيراني، مما أدى إلى ارتفاع تكلفة مخاطر التأمين بالمنطقة وزيادة تكلفة الإقراض من الأسواق الدولية.
تمويل الموازنة أم تمويل الديون؟
يقول الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي لـ”مصراوي”، إن التوجه نحو إصدار سندات دولية أو صكوك بالعملة الأجنبية يهدف بشكل أساسي إلى تنويع مصادر النقد الأجنبي وسد الفجوة التمويلية للعام المالي الجديد 2026-2027.
ويشرح شوقي أن هذه الإصدارات تحقق هدفين رئيسيين: توفير موارد جديدة من العملة الصعبة وتخفيف الضغوط على الدولار ضمن استراتيجية الدولة لتنويع واستدامة مصادر النقد الأجنبي.
كما يشير إلى أن إصدارات السندات الدولية غالبًا ما تشهد معدلات اكتتاب تتجاوز قيمة الطرح عدة مرات بسبب العائد الجذاب لمستثمري أدوات الدين. ويؤكد أن هذه الإصدارات تساعد أيضًا على إطالة متوسط آجال الدين وإعادة هيكلة الاستحقاقات، سواء تم استخدامها كتمويل جديد أو لإعادة تمويل التزامات قائمة.
من جانبه، يرى الدكتور بلال شعيب الخبير الاقتصادي لـ”مصراوي” أن الإصلاحات الهيكلية والسياسات النقدية التي نفذتها مصر مؤخرًا قد انعكست إيجابيًا على موارد النقد الأجنبي وأسهمت في تحسين نظرة مؤسسات التمويل الدولية تجاه الاقتصاد المصري.
ويوضح شعيب أن ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي يعزز ثقة المستثمرين في قدرة الجهاز المصرفي على تلبية احتياجاتهم ويعزز جذب الاستثمارات غير المباشرة.
هل طروحات مصر تجد إقبالاً في سوق اليوروبوند؟
يرجح بلال شعيب أن تستحوذ الأسواق العربية، وخاصة الخليجية منها، على النصيب الأكبر من الاكتتاب في أي إصدارات جديدة من السندات الدولية (اليوروبوند). ويشير إلى أن التوترات الجيوسياسية قد تدفع جزءًا من رؤوس الأموال للبحث عن أسواق أكثر استقرارًا.
كما تأتي الأسواق الأوروبية في المرتبة الثانية كوجهة محتملة للمستثمرين الذين يبحثون عن بدائل وسط النزاعات التجارية والرسوم الجمركية. بينما تليها أسواق آسيا وشرق آسيا مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية.
ويضيف شعيب أن الاهتمام المتزايد بالاقتصاد المصري لا يقتصر فقط على الاستثمارات غير المباشرة بل يمتد أيضًا للاستثمار الأجنبي المباشر. ويشير إلى أن المستثمرين يعتبرون السوق المصرية بوابة للأسواق الأفريقية التي توفر فرص استثمارية وعوائد مرتفعة مقارنة بعدد من الأسواق الأخرى.
كما يشير أحمد شوقي إلى أن مصر تتمتع حاليًا بتدفقات جيدة ومستدامة من العملات الأجنبية، بما في ذلك تحويلات المصريين العاملين بالخارج التي شهدت زيادة ملحوظة بالإضافة إلى تعافي قطاع السياحة. ويذكر أن اعتماد سياسة سعر الصرف المرن ساهم في تقليل التقلبات الحادة في سعر الدولار رغم التوترات الإقليمية.
ما الغرض من اليوروبوند؟
وفقًا لخبير في أسواق المال والاستثمار فضل عدم ذكر اسمه لأسباب تتعلق بطبيعة عمله، فإن نجاح أي طرح للسندات الدولية لا يرتبط فقط بقيمة المبلغ المستهدف ولكن أيضًا بالعائد الذي تعرضه الدولة للمستثمرين. إذ إن زيادة العائد قد ترفع شهية المستثمرين للاكتتاب بينما يبقى التحدي الحقيقي هو تحقيق توازن بين تكلفة الاقتراض وقدرة الدولة على إدارة الدين.
ويضيف الخبير أنه غالبًا ما يكون الاكتتاب في إصدارات اليوروبوند مفتوحًا أمام مستثمرين من مختلف أنحاء العالم عبر بنوك الاستثمار الدولية التي تتولى تسويق الطرح. ولا يقتصر الأمر على مستثمرين من منطقة معينة فقط.
وفي بعض الأحيان تمتلك مؤسسات وبنوك مصرية سيولة دولارية وتجد عائد السندات السيادية المصرية أعلى مقارنة بأدوات الدين الأمريكية أو غيرها مع تحملها جزءًا من المخاطر المرتبطة بالاقتصاد المحلي.
ويوضح الخبير أنه يتم إدارة الدين العام وفق مبدأ مواءمة أجل التمويل مع طبيعة الاستخدام بحيث تُستخدم أدوات التمويل طويلة الأجل لتمويل الالتزامات أو المشروعات ذات العائد الممتد بينما تُخصص أدوات التمويل قصيرة الأجل للالتزامات ذات الدورة السريعة. وهذا ما يفسر اتجاه الدولة نحو إطالة متوسط آجال الدين لتخفيف ضغوط الاستحقاقات القريبة.
اليوروبوند وإستراتيجية الدين
يشير أحمد شوقي إلى أن السندات الدولية تسهم في تحسين جدول سداد الديون ومعالجة الالتزامات قصيرة الأجل باعتبارها إحدى الأدوات المستخدمة لإدارة الدين العام وتعزيز الموارد المباشرة للدولة. لكنه يحذر من أن التطورات السياسية والعسكرية قد تجعل من الصعب إصدار توقعات دقيقة بشأن تأثيرها على أسواق الدين وسط استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بحركة التجارة والممرات البحرية.
ويذكر شوقي أن تنوع مصادر النقد الأجنبي سواء من الصادرات أو إيرادات قناة السويس أو السياحة أو تحويلات العاملين بالخارج إضافةً إلى قوة الاحتياطي النقدي يمنح الدولة مساحة أوسع لإدارة ملف الدين ويقلل الحاجة لقبول عوائد مرتفعة للغاية عند إصدار أدوات دين جديدة مما يوفر هامش أمان لإعادة هيكلة الاستحقاقات.
من جهته يقول بلال شعيب إن استمرار زيادة الاحتياطي النقدي الأجنبي رغم التوترات الجيوسياسية العالمية يعكس استمرار تدفق الاستثمارات نحو أدوات الدين المصرية. ويشير إلى أن المستثمر الأجنبي يوازن دائمًا بين العائد والمخاطر وفي ظل بقاء معدلات الفائدة عند مستويات مرتفعة مقارنة بالأسواق البديلة فإن السوق المصرية تبقى جاذبة حتى مع توقع خفض أسعار الفائدة.
وفيما يتعلق بالاعتماد على السندات الدولية يوضح بلال أنه ليست المشكلة الأساسية تكمن في حجم الدين بل في القدرة على إدارته وسداد التزاماته. ويوضح أنه تم تبني نهج مختلف خلال السنوات الأخيرة لإدارة الدين العام يعتمد على تحسين هيكل الاستحقاقات والاعتماد بصورة أكبر على الاستثمار الأجنبي المباشر لتمويل التنمية بدلاً من التوسع في الاقتراض كما كان يحدث سابقاً.
ويبين أنه يتم استهداف خفض أعباء الاستحقاقات على المدى المتوسط والطويل مع توجيه تمويل التنمية نحو الاستثمار المباشر بدلاً من الديون وهو ما يمثل تغييراً جوهرياً مقارنة بالفلسفة السابقة لإدارة الاقتصاد قبل سنوات.

