أكد خبير مصرفي وآخر اقتصادي أن تراكم الاحتياطيات وزيادة صافي الأصول الأجنبية لدى القطاع المصرفي قد عززا قدرة الاقتصاد المصري على امتصاص صدمات خروج الاستثمارات الأجنبية، مما وفر هوامش أمان مكنت البنوك من التعامل مع التدفقات الخارجة دون استنزاف الاحتياطيات الدولية.
وأضافا في تصريحات لـ”مصراوي” أن قوة الموقف الخارجي تحسنت بشكل كبير مقارنة بفترة الحرب الروسية الأوكرانية، مدعومة بارتفاع الاحتياطي النقدي وتدفقات الاستثمار الأجنبي وتحويلات المصريين بالخارج، بالإضافة إلى مرونة سعر الصرف التي ساعدت على استيعاب تغيرات تدفقات رؤوس الأموال، بدلاً من تحميل الاحتياطيات كامل تكلفة الصدمات.
وأشار صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير إلى أن عمليات تراكم الاحتياطيات التي نفذها البنك المركزي المصري عبر آليات السوق ساعدت على الحفاظ على هوامش أمان للاحتياطيات تتجاوز المقاييس القياسية لكفاية الاحتياطي.
وأوضح الصندوق أن هذه العمليات وضعت الاحتياطيات في موقف قوي مقارنة بمستهدفات صافي الاحتياطيات الدولية، بعد تحقيق أداء تجاوز المستهدف في مارس.
ولفت التقرير إلى أن الانخفاض المؤقت في صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك التجارية يعكس الدور الذي أداه القطاع المصرفي في امتصاص تدفقات خروج استثمارات المحافظ المرتبطة بالصدمة الإقليمية، قبل أن تتعافى الأصول جزئيًا مع عودة تدفقات استثمارات المحافظ وتحسن أوضاع السوق.
وكان احتياطي النقد الأجنبي قد ارتفع بنحو 20 مليار دولار منذ توقيع صفقة رأس الحكمة في فبراير 2024، ليصل إجمالي الاحتياطي إلى نحو 56 مليار دولار بنهاية يوليو الماضي.
تحول صافي الأصول الأجنبية من عجز إلى فائض.
قال محمد عبد العال، الخبير المصرفي، إن الجهاز المصرفي المصري قد عزز قدرته على مواجهة الصدمات الخارجية بفضل زيادة الاحتياطي النقدي وصافي الأصول الأجنبية وارتفاع تحويلات المصريين بالخارج، إضافةً إلى تدفقات الاستثمار الأجنبي غير المباشر في أدوات الدين الحكومية.
وأوضح عبد العال أن صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي تحول من عجز بلغ نحو 28 مليار دولار في يناير 2024 إلى فائض بلغ نحو 27 مليار دولار، معتبرًا أن هذا التحول، بجانب ارتفاع الاحتياطي النقدي، شكل أحد العوامل الرئيسية لدعم استقرار سوق الصرف.
تدفقات الاستثمارات الأجنبية تدعم الاحتياطي.
وأشار عبد العال إلى أن صافي استثمارات الأجانب في أدوات الدين العام شهد تدفقات داخلة خلال الفترة الماضية، مما انعكس على زيادة المعروض من الدولار في سوق ما بين البنوك ودعم الاحتياطي النقدي.
وأوضح أن هذه العوامل تعمل بشكل مترابط؛ فدخول الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة يزيد المعروض من الدولار في سوق ما بين البنوك، بينما تسهم تحويلات المصريين العاملين بالخارج في تعزيز الاحتياطي والسيولة الدولارية.
وأضاف أن البنك المركزي يمكنه شراء الدولار من سوق ما بين البنوك عندما يكون هناك فائض من السيولة الدولارية، مما يؤدي إلى زيادة الاحتياطي النقدي. وأكد أن هذا التدخل يتم وفق آليات السوق ولا يستهدف فرض سعر محدد للجنيه.
وأوضح عبد العال أن سعر الصرف يتحرك وفقًا لآليات العرض والطلب، بينما يأتي تدخل البنك المركزي عندما يكون هناك فائض دولاري لدى البنوك يحتاج إلى التسوية.
وأشار إلى أن البنوك تخضع لحدود رقابية فيما يتعلق بمراكزها المفتوحة من العملات الأجنبية؛ إذ لا يمكن للبنك الاحتفاظ بمركز دائن يتجاوز 10% لكل عملة وبحد أقصى 20% من قاعدته الرأسمالية لجميع العملات. وعندما تتجاوز البنوك هذه الحدود نتيجة زيادة مبيعات العملاء للدولار، فإنها تقوم بتسوية الفائض إما عن طريق بيعه لبنك آخر لديه احتياج أو للبنك المركزي الذي يشتري الفائض ويضيفه للاحتياطي.
وشدد عبد العال على أن البنك المركزي لا يتدخل لشراء الدولار بهدف دعم الجنيه أو فرض سعر معين؛ بل يتحرك لامتصاص الفائض بينما يبقى تحديد سعر الصرف خاضعًا لظروف العرض والطلب.
الأصول الأجنبية ساعدت على امتصاص الصدمات.
قال الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، إن الوضع المالي والفني للقطاع المصرفي يعد أحد أبرز نقاط القوة في الاقتصاد المصري خلال الفترة الأخيرة. موضحًا أن ارتفاع صافي الأصول الأجنبية قد وفر هامش أمان ساعد على امتصاص الصدمات الخارجية.
وأوضح أنيس أنه مع بداية الأزمة الأخيرة بلغ صافي الأصول الأجنبية لدى القطاع المصرفي نحو 28 إلى 29 مليار دولار مقارنة بنحو 4 مليارات دولار فقط عند بداية الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022. وأضاف أن هذا الفارق الكبير قد وفر هامش أمان مكن القطاع المصرفي من امتصاص جزء من صدمة خروج الاستثمارات الأجنبية دون الحاجة لاستنزاف احتياطيات البنك المركزي.
ولفت إلى أهمية إدارة الاحتياطي التي استفادت من الدروس السابقة وأصبحت تحتفظ بجزء من الأصول في أدوات قصيرة الأجل وسريعة التحول إلى نقد؛ مما يقلل مخاطر عدم التوافق بين آجال الدخول والخروج ويوفر سيولة سريعة لتلبية الالتزامات المفاجئة.
وأوضح أنيس أنه مع الحفاظ على السيولة الدولارية قصيرة الأجل تحت تصرف القطاع المصرفي يضمن توافرها عند الحاجة لتلبية الالتزامات ويجنب حدوث فجوة بين آجال التمويل والاستحقاقات مما يعزز قدرة الجهاز المصرفي على التعامل مع أي صدمات مفاجئة.
10 إلى 12 مليار دولار حجم خروج الاستثمارات.
وأشار أنيس إلى أنه قد خرجت استثمارات أجنبية بلغت أقصى مستوى لها بشكل دوري نحو 10 إلى 12 مليار دولار جرى التعامل معها بواسطة السيولة الدولارية المتاحة لدى البنوك التجارية. وأوضح أن هذا الأسلوب ساعد على الحفاظ على الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي مع الاستفادة من السيولة الأجنبية المتراكمة داخل القطاع المصرفي. مشددًا على أهمية إدارة آجال الاستحقاق وعدم توظيف الأموال قصيرة الأجل في مشروعات طويلة الأجل.
مرونة سعر الصرف تمتص الصدمات.
قال صندوق النقد الدولي إن مرونة سعر الصرف تواصل أداء دور مهم في امتصاص الصدمات الخارجية وإدارة تدفقات رأس المال المتقلبة. مشيرًا إلى أنه عمل باعتباره خط الدفاع الأول خلال موجة خروج رؤوس الأموال الأخيرة. وأوضح الصندوق بأن تحرك سعر الصرف وفق تغير الظروف الخارجية ساعد أيضًا على امتصاص هذه الصدمة مؤكدًا ضرورة استمرار مرونة سعر الصرف وتعميق أسواق إدارة مخاطر النقد الأجنبي وتطوير أدوات التحوط.
الاحتياطي يتجاوز 56 مليار دولار.
وأشار عبد العال إلى ارتفاع احتياطي النقد الاجنبي للشهر السابع والأربعين على التوالي متجاوزًا حاجز الـ56 مليار دولار. لافتًا بأن هذا التحسن يعكس قدرة الجهاز المصرفي على التعامل مع الصدمات الخارجية.
وأوضح أنه أحد أهم الفروق بين الوضع الحالي وفترة الحرب الروسية الأوكرانية يتمثل في نوعية الأصول؛ إذ أصبحت إدارة الاحتياطي تحتفظ بجزء منها في أدوات قصيرة الأجل وسريعة التحول إلى نقد مما يقلل مخاطر عدم التوافق بين آجال الدخول والخروج.
وأضاف عبد العال بأن صندوق النقد الدولي يعتمد مؤشر كفاية الاحتياطي الذي يعتبر للدول الناشئة نطاقاً يتراوح بين 100% و150% يمثل منطقة أمان بينما سجلت مصر نحو118% وفق هذا المقياس.
وأكد بأن هذا المستوى يضع احتياطي مصر داخل نطاق الأمن ولكنه شدد بأن قيمة الاحتياطي وحدها ليست العامل الحاسم لتقييم قوة الموقف الخارجي.
جودة مصادر الدولار أهم من حجم الاحتياطي.
قال عبد العال إن المهم أكثر هو جودة واستدامة مصادر النقد الاجنبي وليس مجرد الوصول الى رقم محدد للاحتياطى مشددًا أهمية زيادة الصادرات وتعزيز السياحة واستعادة إيرادات قناة السويس واستدامة تحويلات المصريين بالخارج.
وأشار الى ان الحفاظ على تدفقات مستدامة للنقد الاجنبي هو العامل الأكثر أهمية لتعزيز قوة الإحتياطى وقدرة الاقتصاد لمواجهة أي صدمات خارجية بالتوازي مع استمرار مرونة سعر الصرف وتطوير أدوات إدارة مخاطر العملة.

