يعتبر توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي بالمضي في تنفيذ المرحلة الثانية من برنامج التخارج الحكومي من عدد من الشركات والمؤسسات لصالح القطاع الخاص واحدًا من أبرز القرارات الاقتصادية التي تعكس التزام الدولة بتنفيذ رؤية الإصلاح الاقتصادي. يهدف هذا البرنامج إلى بناء اقتصاد حديث يعتمد على تحسين كفاءة إدارة الأصول وتعظيم العائد منها، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي كونه المحرك الرئيسي للنمو والاستثمار وخلق فرص العمل.
إعادة توزيع الأدوار بين الدولة والقطاع الخاص
وأوضح الدكتور محمد الجوهرى، الخبير الاقتصادى ورئيس مركز أكسفورد للدراسات والبحوث الاقتصادية، أن التخارج الحكومى لا يعني بأي حال انسحاب الدولة من الاقتصاد أو التخلي عن مسؤولياتها التنموية. بل يشير إلى إعادة توزيع الأدوار بين الدولة والقطاع الخاص، حيث تتفرغ الحكومة لأداء وظيفتها الأساسية المتمثلة في التخطيط والتنظيم والرقابة ووضع السياسات العامة، بينما يتولى القطاع الخاص إدارة وتشغيل العديد من الأنشطة الاقتصادية بكفاءة وسرعة ومرونة تتناسب مع طبيعة الأسواق الحديثة.
الدولة تعمل على توفير بيئة أعمال أكثر تنافسية وشفافية
جذب استثمارات جديدة
وفيما يتعلق بأهم الفوائد الاقتصادية لهذا البرنامج، قال الخبير الاقتصادى: “إن زيادة كفاءة الشركات محل التخارج تأتي نتيجة سعي المستثمرين الخاصين لتعظيم الإنتاج وتحسين الجودة وخفض التكاليف واستخدام التكنولوجيا الحديثة. وهذا يؤدي إلى رفع القدرة التنافسية لهذه الشركات في السوق المحلية والأسواق الخارجية وزيادة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي. كما يسهم البرنامج في جذب استثمارات جديدة سواء من المستثمرين المصريين أو العرب أو الأجانب، مما يعني ضخ رؤوس أموال إضافية وتحديث خطوط الإنتاج والتوسع في الأنشطة الصناعية والخدمية وإقامة مشروعات جديدة. كل ذلك ينعكس إيجابًا على معدلات النمو الاقتصادي ويعزز الطاقة الإنتاجية للدولة. ”
وتابع: “كما يمثل البرنامج أحد أدوات تخفيف الأعباء المالية عن الموازنة العامة للدولة، حيث لن تكون الحكومة مطالبة بتوفير التمويل اللازم لتطوير وإدارة جميع الشركات، مما يسمح بتوجيه الموارد المالية إلى قطاعات أكثر أهمية مثل التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والبحث العلمي والبنية الأساسية، وهي المجالات التي تحقق عائدًا مجتمعيًا مرتفعًا وتنعكس بصورة مباشرة على جودة حياة المواطنين. كما أن توسيع دور القطاع الخاص يسهم في خلق المزيد من فرص العمل لأن المستثمر الجديد عادة ما يتجه نحو التوسع في الإنتاج وإضافة خطوط تشغيل جديدة والتوسع في الأسواق المحلية والخارجية، مما يتطلب تعيين عمالة جديدة ورفع كفاءة العنصر البشري من خلال برامج التدريب والتأهيل المستمر.”.
تنشيط سوق المال المصرية
وأشار “الجوهرى” إلى أن زيادة مشاركة القطاع الخاص تعزز تنافسية الاقتصاد المصري، إذ تدفع المنافسة الشركات إلى تحسين جودة المنتجات وخفض تكلفة الإنتاج وتقديم خدمات أفضل للمستهلك. وهذا يؤدي في النهاية إلى رفع كفاءة الأسواق وتحقيق قيمة مضافة أكبر للاقتصاد الوطني. كما أن نجاح برنامج التخارج يسهم في تنشيط سوق المال المصرية عبر طرح حصص من الشركات في البورصة، مما يزيد عمق السوق ويرفع أحجام التداول ويوفر أدوات استثمار جديدة للمؤسسات والأفراد ويجذب شريحة أكبر من المستثمرين المحليين والأجانب ويعزز قدرة الشركات على الحصول على التمويل اللازم للتوسع.
ومن الجوانب المهمة أيضًا أن التخارج لا يعني بيع الأصول بأقل من قيمتها وإنما يعتمد على تقييمات عادلة وشفافة تضمن تحقيق أفضل عائد للدولة مع الحفاظ على حقوقها والمصلحة العامة. كما تحتفظ الدولة بحقها في الاستمرار داخل بعض القطاعات الاستراتيجية التي تمثل جزءًا من الأمن القومي أو ترتبط بتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.
تحسين مناخ الاستثمار ومطالب التجارة الخارجية
وشدد “الجوهرى” على أن المرحلة الثانية تتجاوز أهميتها الجانب المالي لتشمل تحسين مناخ الاستثمار حيث تمنح المستثمرين رسالة واضحة بأن الدولة مستمرة في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية وتعزيز الشفافية وتكافؤ الفرص، مما يزيد مستوى الثقة في الاقتصاد المصري وقدرته على جذب الاستثمارات طويلة الأجل. وأشار إلى أن زيادة دور القطاع الخاص تسهم أيضًا في رفع معدلات التصدير لأن الشركات الخاصة تمتلك مرونة أكبر لتطوير منتجاتها والبحث عن أسواق جديدة والاستجابة السريعة لمتطلبات التجارة الدولية، مما يساعد على زيادة حصيلة الصادرات وتحسين ميزان المدفوعات وتوفير المزيد من النقد الأجنبي.
وتابع: “من المتوقع أن تنعكس هذه السياسات إيجابيًا على التصنيف الائتماني لمصر مع استمرار تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية وزيادة كفاءة إدارة الأصول وزيادة الإيرادات غير الضريبية وتعزيز قدرة الاقتصاد على تحقيق معدلات نمو مستدامة، مما يساهم في خفض تكلفة التمويل وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة.”.
التخارج الحكومى خطوة استراتيجية
ولفت إلى أن المرحلة الثانية من برنامج التخارج تتماشى مع مستهدفات رؤية مصر للتنمية المستدامة التي تقوم على بناء اقتصاد تنافسي متنوع يعتمد على الإنتاج والصناعة والتكنولوجيا ويقوده قطاع خاص قوي قادر على الابتكار وخلق القيمة المضافة والمنافسة إقليميًا ودوليًا.
وأكد أن نجاح هذا البرنامج لن يقاس فقط بحجم الأصول التي سيتم التخارج منها بل بقدرته على خلق اقتصاد أكثر كفاءة وقدرة تنافسية وجاذبية للاستثمار بحيث تصبح الدولة منظماً للأسواق ومحفزاً للنمو بينما يقود القطاع الخاص عملية الإنتاج والتوسع والاستثمار. وهو النموذج الذي أثبت نجاحه في العديد من الاقتصادات الصاعدة والمتقدمة.
وأضاف: “إن المرحلة الثانية تمثل خطوة استراتيجية نحو ترسيخ نموذج اقتصادي حديث يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص ويعزز كفاءة إدارة الأصول ويزيد معدلات الاستثمار والإنتاج والتصدير ويوفر فرص عمل جديدة ويرفع تنافسية الاقتصاد المصري ويؤكد استمرار الدولة في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية التي تمهد لتحقيق نمو اقتصادي قوي ومستدام خلال السنوات المقبلة.”.

