لم يعد السؤال في سوق الذهب العالمي هو: هل يستطيع المعدن الأصفر الصعود؟ بل أصبح أكثر تعقيدًا: إلى أي مستوى يمكن أن تصل الأسعار قبل إسدال الستار على عام 2026؟
الذهب يدخل النصف الثاني من العام في منطقة شديدة الحساسية، بعدما سجل خلال الأيام الماضية موجة صعود قوية أعادته إلى نطاق 4,400 دولار للأونصة، قبل أن يتعرض لجني أرباح حاد نسبيًا. وفي جلسة 13 أغسطس، تراجع الذهب الفوري بأكثر من 1% إلى نحو 4,354.58 دولار، بينما استقرت العقود الآجلة الأمريكية عند 4,420.40 دولار للأونصة، بعد وصول الأسعار إلى مستويات اقتربت من 4,450 دولارًا.
المشهد الحالي يكشف مفارقة لافتة: السوق صاعد على المدى المتوسط، لكنه ليس في طريق مستقيم إلى القمة. فبعد ارتفاع الذهب بنحو 10% خلال أغسطس وفق بيانات رويترز، أصبحت منطقة 4,500 دولار اختبارًا نفسيًا وفنيًا مهمًا، بينما تظل احتمالات التصحيح قائمة كلما تسارعت وتيرة الصعود.
العقود الآجلة ترسم سيناريوهات متباينة لنهاية العام.
تتباين توقعات المؤسسات المالية الكبرى بصورة لافتة، وهو ما يعكس حجم عدم اليقين المحيط بمسار الذهب خلال الشهور المتبقية من 2026.
وتضع جولدمان ساكس مستهدفًا لنهاية 2026 عند نحو 4,900 دولار للأونصة، بعد خفض توقعاتها السابقة البالغة 5,400 دولار، في ضوء إعادة تقييم مسار أسعار الفائدة الأمريكية.
في المقابل، تتبنى جيه بي مورجان رؤية أكثر تفاؤلًا، إذ تشير توقعاتها إلى وصول الذهب إلى نحو 6,000 دولار للأونصة في الربع الأخير من 2026، مع استمرار قوة الطلب على المعدن النفيس.
أما ويلز فارجو فتقدم أحد أكثر السيناريوهات تفاؤلًا، بعدما رفعت مستهدفها لنهاية 2026 إلى نطاق 6,100–6,300 دولار للأونصة، مدفوعة بتوقعات انخفاض الفائدة واستمرار الطلب من البنوك المركزية.
وبذلك، فإن الفارق بين بعض أكبر التوقعات المؤسسية يقترب من 1,400 دولار للأونصة، وهو فارق يعكس أن مستقبل الذهب لا تحسمه الرسوم البيانية وحدها، وإنما تحدده أيضًا السياسة النقدية والجغرافيا السياسية وتدفقات المستثمرين.
لماذا يتشبث الذهب بمساره الصاعد؟
هناك أربعة محركات رئيسية تراقبها الأسواق خلال الفترة المقبلة.
أولًا: الفيدرالي الأمريكي.
أي تحول نحو سياسة نقدية أقل تشددًا قد يخفض عوائد السندات ويقلل تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، وهو ما يمنح المعدن دعمًا إضافيًا. وتظهر بيانات أغسطس أن توقعات الأسواق بشأن رفع الفائدة الأمريكية في سبتمبر تراجعت إلى نحو 35% بعد صدور بيانات التضخم وأسعار المنتجين، بينما انخفضت عوائد سندات الخزانة؛ وهي عوامل دعمت الذهب رغم تعرضه لجني أرباح لاحق.
ثانيًا: البنوك المركزية.
الطلب الرسمي على الذهب أصبح أحد أهم أعمدة السوق. ووفق مجلس الذهب العالمي، بلغ صافي مشتريات البنوك المركزية في الربع الثاني من 2026 نحو 289 طنًا بقيمة تقدر بحوالي 45 مليار دولار؛ فيما أظهر مسح للمجلس أن قرابة نصف البنوك المركزية تتوقع زيادة حيازاتها من الذهب خلال عام.
ثالثًا: التوترات الجيوسياسية.
كلما ارتفع مستوى المخاطر السياسية والأمنية، زادت جاذبية الذهب باعتباره أحد أهم أصول الملاذ الآمن. وقد كان الصراع الأمريكي الإيراني من أبرز المحركات التي أثرت في الذهب خلال عام 2026؛ إلى جانب المخاوف المرتبطة بالاقتصاد العالمي والسياسة النقدية الأمريكية.
رابعًا: الدولار والتضخم.
ضعف الدولار وانخفاض عوائد السندات يمكن أن يعززا الطلب على الذهب؛ بينما يبقى التضخم المرتفع عاملًا مزدوج التأثير، خصوصًا إذا دفع الفيدرالي إلى الإبقاء على الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
مجلس الذهب العالمي: 4,500 دولار ليست نهاية الطريق.
لا يقدم مجلس الذهب العالمي رقمًا واحدًا باعتباره “سعرًا مستهدفًا”؛ لكنه يرسم سيناريوهات تساعد في قراءة الاتجاه. وفي توقعاته للنصف الثاني من عام 2026، يرى المجلس أن الذهب قد يتحرك في نطاق يقارب ±5% حول مستوى 4,100 دولار إذا بقيت الظروف الاقتصادية الكلية قريبة من السيناريو الأساسي. لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن عودة المخاطر الاقتصادية أو الجيوسياسية أو تحول توقعات الفائدة أو عودة المستثمرين للشراء عند الانخفاضات يمكن أن تدفع الذهب مجددًا نحو مستويات أعلى مثل الـ4,500 دولار أو أكثر.
ويحذر المجلس من أن الوصول المستدام إلى مستوى الـ5,000 دولار يحتاج إلى محفز قوي وواضح؛ وليس مجرد استمرار للزخم الحالي.
ماذا تقول حركة العقود الآجلة الآن؟
الأرقام الأخيرة تمنح السوق إشارة مهمة: العقود الآجلة للذهب ما زالت أعلى من مستوى الـ4,400 دولار تقريبًا؛ لكن الاقتراب من الـ4,500 دولار أصبح مصحوبًا بعمليات بيع لجني الأرباح. وفي تاريخ الـ13 من أغسطس هبط الذهب بعد أن سجل أعلى مستوى له في شهرين تقريبًا؛ حيث أظهرت بيانات التضخم الأمريكية أن مؤشر أسعار المستهلكين ارتفع بنسبة 3.4% على أساس سنوي في يوليو؛ بينما جاءت بيانات أسعار المنتجين دون تغيير مما أعاد تحريك توقعات المتعاملين بشأن الخطوة المقبلة للفيدرالي.
ومن الناحية الفنية فإن تجاوز منطقة الـ4,460–4,500 دولار بثبات قد يعيد الأنظار إلى مستويات أعلى؛ بينما قد يؤدي الفشل في اختراقها إلى مرحلة من التذبذب وجني الأرباح قبل تحديد الاتجاه التالي.
ثلاثة سيناريوهات حتى ديسمبر عام 2026.
السيناريو الأول – الصعود القوي.
If تراجعت توقعات الفائدة وضعف الدولار واستمر الطلب الرسمي من البنوك المركزية بالتزامن مع استمرار المخاطر الجيوسياسية؛ فقد تتجه الأسعار لاختبار الـ5,000 دولار ثم مستويات أعلى. وهنا تقترب السوق من السيناريوهات التي تتبناها المؤسسات الأكثر تفاؤلًا.
السيناريو الثاني – الصعود المتدرج.
وهو السيناريو الذي قد يجمع بين استمرار الطلب على الذهب وارتفاعات متقطعة يتخللها تصحيح وجني أرباح. وفي هذه الحالة قد يتحرك الذهب بين الـ4,500 والـ5,000 دولار مع نهاية العام؛ وهو نطاق يتقاطع مع بعض التوقعات المحافظة.
السيناريو الثالث – التصحيح.
If بقيت الفائدة الأمريكية مرتفعة وارتفعت عوائد السندات واستعاد الدولار قوته وتراجعت المخاطر الجيوسياسية؛ فقد يتعرض الذهب لموجة بيع تعيده لمستويات أدنى. ومجلس الذهب العالمي يرى أن سيناريو النمو القوي وارتفاع العوائد وهدوء الأسواق يمكن أن يضغط على المعدن مع احتمال الحد من الهبوط بفعل عودة المشترين عند الأسعار المنخفضة.
المفارقة الكبرى: عام 2026 بدأ عند القمة ثم عاد ليبحث عن قمة جديدة.
ما يجعل توقعات الذهب هذا العام مختلفة هو حجم التذبذب الذي شهده المعدن. فبحسب مجلس الذهب العالمي سجل المعدن الأصفر أكثر من اثنتي عشرة قمة تاريخية خلال بداية عام 2026 وتجاوز لفترة قصيرة مستوى الـ5,500 دولار للأونصة في يناير قبل أن يهبط إلى قرابة الـ4,000 دولار في يونيو.
وهذا يعني أن سوق الذهب أثبت بالفعل أنه قادر على الانتقال بين مستويات سعرية متباعدة جدًا خلال فترة قصيرة مما يجعل التعامل مع توقعات نهاية العام باعتبارها “رقمًامؤكدً” أمرًا غير دقيق.

