تلقت قناة السويس، التي تُعتبر إيراداتها أحد أبرز مصادر العملة الصعبة لمصر، دفعة جديدة من شركة «ميرسك» عملاق النقل البحري، حيث أكدت على أهمية الممر الملاحي واقتراب العودة الكاملة للملاحة، رغم استهداف بعض السفن في الآونة الأخيرة.

ووفقاً لخبير اقتصادي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن إعلان ميرسك يعكس تحسناً في تقييم كبرى شركات الشحن للمخاطر الأمنية في البحر الأحمر، مما يعزز الثقة الدولية في الممر الملاحي، ويشجع خطوط ملاحية أخرى على إعادة تقييم مساراتها والعودة إلى قناة السويس.

وأكد الرئيس التنفيذي لشركة «ميرسك» للملاحة، فينسنت كليرك، في حديث نقلته «رويترز» الخميس، أن الظروف الحالية مهيأة لاستئناف حركة الملاحة الكاملة عبر قناة السويس بحلول عام 2026.

تصريح كليرك يأتي عقب إعلان شركتي «ميرسك» الدنماركية و«هاباج – لويد» الألمانية عن إجراء تعديل هيكلي على خدمة الشحن «AE19» ضمن تحالف «جيميني»، والذي يقضي بعودة السفن للعبور عبر قناة السويس بدلاً من الإبحار حول رأس الرجاء الصالح، كخطوة جديدة نحو العودة التدريجية للممر الملاحي المصري.

وقالت «ميرسك» في بيان بتاريخ 10 أغسطس (آب) إن التعديل دخل حيز التنفيذ فوراً، مشيرة إلى أن القرار اتخذ بالتنسيق مع «هاباج – لويد» بعد تقييم شامل للأوضاع الأمنية في منطقة البحر الأحمر. وأكدت أن قناة السويس تمثل ممراً بحرياً حيوياً بين الشرق والغرب ومحركاً رئيسياً لكفاءة سلاسل الإمداد العالمية، مُعتبرةً أن المرور عبر قناة السويس والبحر الأحمر هو المسار الأسرع والأكثر استدامة وكفاءة لخدمة عمليات النقل بين آسيا وأوروبا.

حاويات شحن على متن سفينة تابعة لشركة «ميرسك» راسية بميناء لوس أنجليس في لونغ بيتش بكاليفورنيا (رويترز).

دلالات إيجابية

ويرى رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، خالد الشافعي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة «ميرسك» تعبر عن تحول تدريجي ونوعي في استراتيجية كبرى شركات الشحن العالمية. حيث انتقلت الأدبيات التشغيلية من مرحلة إدارة الأزمات والاستجابة السريعة للمخاطر إلى مرحلة التخطيط للتعافي الملاحي والاستقرار التشغيلي المستدام.

وأضاف: “تؤكد الإشارة إلى أن الظروف باتت مواتية لعودة كاملة خلال عام 2026 بقناعة راسخة لدى تحالفات الشحن بأن مسار رأس الرجاء الصالح، رغم دوره المؤقت في تفادي المخاطر، يُشكل عبئاً مالياً ولوجستياً غير مستدام على المدى الطويل نظراً لطول مسافاته وزيادة استهلاك الوقود وارتباك جداول الإبحار”.

تشكل هذه التصريحات والخطوات العملية التي اتُخذت بالتنسيق مع «هاباج – لويد» مؤشراً جلياً على تغيير عميق وحذر في منهجية تقييم المخاطر الأمنية في البحر الأحمر حسب الشافعي.

وأكد أن عودة «ميرسك» وشريكتها «هاباج – لويد»، اللتين تشكلان تحالف «جيميني» وتسيطران على حصة مؤثرة للغاية من حركة شحن الحاويات العالمية، تُعتبر نقطة تحول محورية واستراتيجية لاستعادة حركة الملاحة. ولا تقتصر أهميتها على التدفق المباشر لرسوم العبور وضخ السيولة النقدية للتجارة المصرية فحسب بل ترسل إشارة ثقة قوية للغاية لباقي شركات الشحن والمستأجرين للعودة إلى الطريق الأقصر والأكثر كفاءة بين آسيا وأوروبا مما يُسرّع من وتيرة تعافي الإيرادات القومية المتأثرة.

وحسب إحصاءات مصرية رسمية بتاريخ 4 أغسطس الحالي، ارتفعت إيرادات قناة السويس في الربع الثاني من العام الحالي إلى 1.26 مليار دولار مقارنة بنحو 1.1 مليار دولار في الربع الأول وبنمو 13% بالتزامن مع ازدياد معدلات عبور السفن وهو أعلى مستوى فصلي للإيرادات منذ الربع الأول من 2024.

وسجلت إيرادات القناة في شهر يونيو (حزيران) الماضي 446 مليون دولار مقابل 414 مليون دولار في مايو (أيار) حسب الجهاز المركزي للإحصاء وهو أعلى مستوى شهري للإيرادات منذ يناير (كانون الثاني) 2024.

وارتفع عدد السفن العابرة للقناة في الربع الثاني من عام 2026 إلى 3580 سفينة مقارنة مع 3324 سفينة في الربع الأول بنمو قدره 7.7% وفقاً لبيانات هيئة قناة السويس. كما ارتفع صافي الحمولة العابرة إلى نحو 169 مليون طن خلال الربع الثاني مقابل 142.9 مليون طن في الربع الأول بنمو قدره 18.3%.

تحذيرات مصرية

وتأتي تلك المؤشرات تزامناً مع بيان للخارجية المصرية الخميس حيث رفضت أي استهدافات للسفن في البحر الأحمر ودعت لاحترام حرية الملاحة فيه.

وجددت مصر “رفضها القاطع للأعمال كافة التي تستهدف السفن والمنشآت المدنية أو تهدد أمن وحرية الملاحة بالبحر الأحمر والممرات المائية الدولية” مؤكدة “الأهمية البالغة لاحترام وضمان وحماية حرية الملاحة الدولية في المضايق والممرات الدولية كافة بما يضمن حرية التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية وفقاً لأحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة”.

وعادة ما تؤدي الهجمات في البحر الأحمر إلى خفض حركة الملاحة لقناة السويس مما يكبد القاهرة خسائر مالية بسبب تحول السفن إلى مسارات بديلة لتجنب المخاطر الأمنية.

هذا الرفض المصري يعزز وفق الشافعي التفاؤل الحذر لبعض الشركات الملاحية خصوصاً مع عدة تحديات رئيسية أمام التحقق الكامل لهذا السيناريو أبرزها الهشاشة الأمنية والاستراتيجية في منطقة جنوب البحر الأحمر.

وأكد الشافعي أن أي تجدد لاستهداف السفن أو حدوث توترات غير محسوبة قد يُعيد خطط الاستئناف إلى نقطة الصفر وسط التحديات اللوجستية المتعلقة بتعديل الجداول الزمنية وسلاسل الإمداد وازدحام بعض الموانئ العالمية نتيجة إعادة توجيه أسطول السفن الضخم.

وفي مايو الماضي قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إن بلاده فقدت نحو 10 مليارات دولار من عائدات قناة السويس نتيجة الاعتداءات على السفن بمضيق باب المندب ضمن تداعيات الحرب على غزة.