يبدو أن ملف صراعات كبار المساهمين داخل الشركات المقيدة بالبورصة المصرية لم يغلق بعد، فبعد أسابيع من الجدل الذي أثارته المواجهة داخل إحدى شركات الألبان الكبرى، انتقلت الخلافات إلى شركة العربية لمنتجات الألبان- آراب ديري (باندا)، حيث برزت مواجهة جديدة بين عائلة زكي، المالكة للحصة الأكبر وصاحبة النفوذ الإداري داخل الشركة، وبين شركة بركة للتجارة والاستثمار، إحدى أكبر المساهمين بالشركة.
الخلاف ظهر إلى العلن خلال انعقاد الجمعية العامة العادية للشركة عبر منصة E-Magles برئاسة أحمد عبد الحليم رشدي العروسي رئيس مجلس الإدارة، وبحضور أعضاء المجلس وممثلي المساهمين الرئيسيين، وبينهم ممثلو شركة جدوى للتنمية الصناعية وشركة بركة للتجارة والاستثمار.
وبينما سارت إجراءات الجمعية بصورة اعتيادية في بدايتها، اندلع خلاف بين إدارة الاجتماع وممثلي شركة بركة للتجارة والاستثمار بشأن الأسئلة والاستفسارات المتعلقة ببنود جدول الأعمال، فبحسب محضر الجمعية، أكد رئيس الاجتماع أنه لم ترد إلى الشركة أي أسئلة أو استفسارات بالطرق القانونية المنصوص عليها في قانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 ولائحته التنفيذية، إلا أن ممثل شركة بركة اعترض على هذا الطرح، مؤكدًا أن الشركة أرسلت بالفعل استفساراتها عبر البريد الإلكتروني قبل انعقاد الجمعية.
إدارة الشركة ردت بأن البريد الإلكتروني ليس من الوسائل المعتمدة قانونًا لتوجيه الأسئلة للمساهمين وفقاً للمادة 224 من اللائحة التنفيذية للقانون، كما أنه لم يرد ضمن وسائل التواصل المحددة في دعوة الجمعية أو النظام الأساسي للشركة، ولم يتوقف الجدل عند هذا الحد، إذ قال ممثل “بركة”، إن الشركة أوفدت مندوباً إلى مقر الشركة لتسليم الاستفسارات ولم يجد من يتسلمها، وهو ما نفاه رئيس الجمعية بشكل قاطع، مؤكدًا أن مقر الشركة يعمل بصورة منتظمة ولا يتصور حدوث مثل هذا الأمر.
لكن الخلاف الإجرائي لم يكن سوى مقدمة لمعركة تصويت أوسع داخل الجمعية، حيث سجلت شركة بركة للتجارة والاستثمار اعتراضها على جميع بنود جدول الأعمال تقريبًا، والتي تضمنت التصديق على تقرير مجلس الإدارة عن نشاط الشركة، والقوائم المالية عن السنة المالية المنتهية في 31 ديسمبر 2025، وتقارير الاستدامة والحوكمة، وتقرير مراقب الحسابات، إلى جانب بند تعيين مراقب الحسابات وتحديد أتعابه للعام المالي الجديد.
ووفقاً لنتائج التصويت، بلغت الأسهم المعترضة المملوكة لشركة بركة نحو 60.9 مليون سهم، بما يمثل 19.86% من إجمالي الأسهم الحاضرة والممثلة في الجمعية على البنود محل التصويت، فيما أقرت الأغلبية باقي القرارات.
وتكتسب هذه المواجهة أهمية خاصة في ظل تركيبة المساهمين داخل الشركة، حيث تمثل عائلة زكي الكتلة المسيطرة وصاحبة النفوذ الأكبر في الإدارة، بينما تعد شركة بركة للتجارة والاستثمار من كبار المساهمين الذين يسعون إلى ممارسة دور أكثر فاعلية في الرقابة على القرارات الاستراتيجية وإدارة الشركة.
وتعيد هذه التطورات إلى الأذهان الأزمة الأخيرة داخل جهينة للصناعات الغذائية، عندما اعترضت شركة بلدنا القطرية، المالكة لأكثر من 16% من أسهم الشركة، على تعديل النظام الأساسي الذي كان من شأنه استبعادها من عضوية مجلس الإدارة، ورغم موافقة الجمعية العمومية على التعديل آنذاك، تدخلت الهيئة العامة للرقابة المالية وأوقفت تنفيذ القرار، معتبرة أنه يمس حقوق المساهمين ويخل بمبدأ المساواة بينهم.
ورغم اختلاف طبيعة النزاعين، فإن القاسم المشترك بينهما يتمثل في تصاعد الجدل حول حقوق المساهمين الأقلية وحدود سلطة المساهم المسيطر داخل الشركات المقيدة، وهو ملف بات يحظى باهتمام متزايد من المستثمرين والجهات الرقابية في ظل تنامي أهمية قواعد الحوكمة وحماية حقوق جميع المساهمين في سوق المال المصري.

