كشف تقرير نشرته إنتر برس سيرفس (IPS) استنادًا إلى بيانات وتقارير أممية ودولية، أن الذهب أصبح يمثل العمود الفقري لاقتصاد الحرب في المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوداني، وأحد أهم مصادر تمويل عملياته العسكرية. ويؤكد التقرير أن استمرار تدفق الذهب إلى الأسواق العالمية يوفر مورداً مالياً يساعد على إطالة أمد النزاع.

مليارات الدولارات من الذهب.

وفقًا للتقرير، أنتجت المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني نحو 65 طناً من الذهب خلال عام 2024، في حين تم تصدير 28 طناً عبر ميناء بورتسودان بعائدات قُدرت بنحو 1.6 مليار دولار.

ومع ذلك، يشير التقرير إلى أن هذه الأرقام لا تعكس الحجم الحقيقي للتجارة، حيث تمر حوالي نصف صادرات الذهب فقط عبر القنوات الرسمية، بينما يتم تهريب كميات كبيرة عبر شبكات التهريب والأسواق غير الرسمية. هذا الأمر يحرم السودان، الذي يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، من جزء كبير من الإيرادات ويصعّب تتبع الأموال الناتجة عن تجارة الذهب.

ويرى التقرير أن اتساع الاقتصاد غير الرسمي أوجد مسارات مالية موازية يصعب إخضاعها للرقابة. في الوقت نفسه، أصبحت عائدات الذهب أحد أهم مصادر تمويل العمليات العسكرية.

اقتصاد حرب لا اقتصاد دولة.

يشير التقرير إلى أن الحرب غيّرت طبيعة الاقتصاد السوداني، حيث لم تعد الموارد الطبيعية تُدار بوصفها أصولاً وطنية بل أصبحت أدوات لتمويل الحرب.

ومع انهيار الدولة وتراجع الإيرادات الضريبية وتوقف قطاعات الإنتاج والخدمات وتعطل معظم الأنشطة الاقتصادية، ازدادت أهمية الذهب كمورد قادر على توفير سيولة نقدية سريعة سواء عبر التصدير الرسمي أو التجارة غير النظامية.

ويشير التقرير إلى أن استمرار سيطرة الجيش على أهم مناطق إنتاج الذهب ومنافذ تصديره يمنحه مورداً مالياً يساعده على مواصلة العمليات العسكرية رغم الانهيار الاقتصادي الذي تشهده البلاد.

كما يضيف أن أهمية الذهب لا تقتصر فقط على قيمته الاقتصادية بل تكمن في كونه مورداً نقدياً سريعاً يتيح للجيش تمويل عملياته العسكرية في ظل انهيار المالية العامة وتراجع الإيرادات الضريبية وتوقف معظم الأنشطة الاقتصادية. وهذا يجعل استمرار تدفق عائداته عاملاً رئيسياً يساعد على استمرار الحرب وإطالة أمدها.

الذهب يطيل أمد الحرب.

يحذر التقرير من أن استمرار تدفق الذهب إلى الأسواق العالمية دون رقابة فعالة على سلاسل التوريد يسهم بصورة مباشرة في إدامة اقتصاد الحرب.

ويشير إلى أن الأرباح الناتجة عن تجارة الذهب لا تنعكس على تحسين الأوضاع المعيشية أو إعادة بناء مؤسسات الدولة بل تذهب نسبة كبيرة منها لتمويل استمرار القتال. يأتي ذلك في وقت يواجه فيه ملايين السودانيين المجاعة والنزوح وانهيار الخدمات الأساسية.

كما يلفت التقرير إلى أن ضعف الرقابة على تجارة الذهب يسمح باستمرار تدفق الأموال إلى أطراف النزاع ويقوض أي جهود لإضعاف اقتصاد الحرب أو دفع الأطراف نحو تسوية سياسية.

أوروبا تستهدف شريان التمويل.

تعكس هذه المخاوف أيضًا قرار الاتحاد الأوروبي الصادر في يوليو 2026 بتوسيع عقوباته ضد السودان عبر حظر شراء واستيراد ونقل الذهب السوداني باعتباره أحد الموارد التي تسهم في تمويل اقتصاد الحرب.

Kكما شملت العقوبات حظر تصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان وهما مادتان تُستخدمان على نطاق واسع في استخراج الذهب. تهدف هذه الخطوة إلى تجفيف أحد أهم الشرايين المالية التي تغذي استمرار النزاع والحد من قدرة أطرافه على الاستفادة من عائدات الموارد الطبيعية لتمويل العمليات العسكرية.

دعوات لتشديد الرقابة الدولية.

يخلص التقرير إلى أن الحد من تمويل الحرب لا يقتصر فقط على فرض العقوبات على الأفراد بل يتطلب أيضًا تشديد الرقابة على تجارة الذهب وسلاسل توريده الدولية وتعزيز إجراءات التتبع والشفافية لضمان عدم وصول عائدات المعدن النفيس لتمويل العمليات العسكرية.

ويرى أن مسؤولية الحد من اقتصاد الحرب لا تقع فقط على الأطراف السودانية بل تشمل أيضًا الدول والشركات العاملة في تجارة الذهب التي يُطلب منها التحقق من مصادر الإمدادات ومنع دخول الذهب المرتبط بالنزاع للأسواق العالمية.

بينما تتراجع فرص وقف إطلاق النار، تتجه الأنظار بصورة متزايدة نحو اقتصاد الحرب باعتباره الوقود الذي يبقي الصراع مشتعلاً. ويخلص التقرير إلى أن تجفيف مصادر تمويل الذهب قد لا يكون مجرد إجراء اقتصادي بل أحد أهم مفاتيح الحد من قدرة أطراف النزاع على مواصلة حرب دخلت عامها الرابع دون أفق سياسي واضح.